الصفحة الرئيسية

عام 1940م قررت سلطات الانتداب الفرنسي إنشاء إذاعة في دمشق, ووقع اختيارها على الصحفي المعروف سامي الشمعة ليكون مديراً لأول إذاعة سورية , ولم يوافق إلا بعد أن اقتنع أن ذلك إذا لم يكن في مصلحته فهو في مصلحة القضية السورية.
وقد حاول ضمن الإمكانيات المحدودة جداً أن يملأ ساعات البث الخمسة ببرامج فكرية – إلى جانب الموسيقى والغناء – فلجأ إلى أعضاء المجمع العلمي الذين لبوه بإلقاء محاضرات من أمثال الأساتذة الأعلام ( محمد كرد علي, أديب التقي, عبد القادر المغربي, الأمير مصطفى الشهابي ) , أما ما كان يصله عن قوة فرنسا وقوة الحلفاء فكان يضعه في الدرج أو يلخصه ويذيع ما يروق له حسب ما اتهمته الدوائر العليا التي قبلت استقالته بعد ذلك.
بعد أن نالت البلاد استقلالها نشر الصحفي الراحل سامي الشمعة مقالةً في صحيفته "أخر دقيقة" تحدث فيها لأول مرة عن تجربته السابقة في تأسيس إذاعة دمشق والأحداث التي مرت معه بأسلوب ساخر, وفيما يلي نص المقالة نقلاً عن صحيفة "أخر دقيقة" العدد الثالث بتاريخ  19/ 07/ 1946م
, وفيما يلي نص المقال :


مقالة بعنوان "ذكرياتي عن محطة إذاعة دمشق "
النص منقول من صحيفة "أخر دقيقة " الدمشقية - العدد 3 - 19/ 07/ 1946م
للصحفي الراحل سامي الشمعة
 

    في عام 1940- 1941 قابلني السيد ميشيل أبو راشد القائم بشؤون المراقبة في دائرة المطبوعات, وقال لي بأن الفرنسيين أنشأؤا محطة إذاعة في دمشق وسألني إذا كنت أقبل الإشراف عليها وإدارتها, وأخذ يقنعني بأن " استلام " هذه المحطة – إذا لم يكن من مصلحتي – فهو على كل حال في مصلحة القضية السورية وقضية الحلفاء !.
ووعدت أبا راشد بدرس الموضوع, وزيارة المحطة, وكان لي ما أردت...
وسألت القائم على شؤون المحطة من الناحية الفنية, عن قوتها فقال بأن قوتها لا تقل قوة عن محطة موسكو ولندن وبرلين !.
وسألت عن المسافات التي تصل إليها الموجات, فقيل لي أن المحطة تُسمع في شوارع لندن, والباراغواي, والهند الصينية !.
وسألت عن موازنة المحطة المالية, فقيل لي ان " الحلفاء لا يقصرون " وهم حريصون على تأمين النفقات !.
وسألت عن الغاية من إنشاء المحطة فقيل ان غايتها : ( إذاعة الأخبار بسرعة وإعداد برنامج موسيقي وغنائي واسع ... في سبيل تأمين " كيف " الشعب السوري الكريم ) !.
ولم أجد في هذا الاقتراح – اقتراح مديرية المطبوعات – ثمة ما يحول دون الموافقة على " استلام " المحطة ولكنني ترددت !.
وما هي إلا ثلاثة أيام حتى تلقيت كتاباً من دائرة المطبوعات يبلغني فيه مديرها بأنني عينت مشرفاً على المحطة, كما يبلغني قرار من المفوض السامي ينص على : ( ان هذه الوظيفة تابعة لقرار مصادرة " الطنابر " والبغال, والموظفين خلال الحرب ) وان الاستقالة منها لا يمكن أن تتم إلا بموافقة المفوضية ! ...

عن هذا العمل
تاريخ وأصول العائلة
شخصيات عائلية
الأخبار العائلية
العائلات الدمشقية
الأرشيف العائلي
تواصل معنا
 
 
 
 
 

 

 
 

واستلمت المحطة – محطة " هنا محطة دمشق العربية " تذيع عليكم على موجة طولها, وعرضها, وذبذبة الخ .... – وبدأت المشاكل منذ اليوم الأول !.
فقد كانت المحطة – الشبيهة بمحطة موسكو – عبارة عن راديو, و" فونوغراف" و" علبة صغيرة" وبضع اسطوانات قديمة, ولا تزيد قوتها عن ثلث الكيلووات !..
وهذه المحطة تستطيع أن "تذيع " ... ولكن على من يريد أن يسمعها أن يكون في "الأستوديو" أو في الحي الذي أنشئت فيه – وهو حي الحبوبي – وقل من يتمكن من سماعها في عرنوس ... أو ساحة الشهداء وباب الجابية !!.
‏أما موازنة المحطة ... فقد كانت عبارة عن ... ثمانمئة وسبعين ليرة سورية, نفقات برنامج موسيقي, وغنائي واسع ! .. وبدأنا بالبحث عن المطربين, والموسيقيين وأخذنا نفاوضهم: - الحفلة بثلاث ليرات ... يدفع فوقها المطرب من جيبه خمس ليرات ثمن قطعة وسبع ليرات تلحين ... كما يدفع أجرة "الاوركسترا" إضافة للتركة !..
أما قارئ القرآن الكريم – فإن راتبه – تشجيعاً للمتدينين, وتنفيذاً لخطة إرضاء المسلمين المؤمنين ... لا يزيد عن ثلاث ليرات سورية, يدفع منها ضريبة تمتع وثمن وصل, وضريبة حرب, نصف المبلغ أو يزيد !.

 وكم كنت أخجل عندما يخرج المطرب من غرفة "الأستوديو" – وهي من حصير ؟! – والعرق يتصبب من وجهه, وجسمه, وأعطيه – مع أعضاء الأوركستر الكريم – أربع أو خمس ليرات ... بما فيها التمتع وثمن الطابع والوصل, وضريبة الحرب ؟!..
أما مقرؤو القرآن الضريرون فقد كانوا ينتقلون من الميدان إلى الصالحية .. لتلاوة آى الذكر الحكيم .. في سبيل ثلاث ليرات !..
وأما المحاضرون – الدكاترة والأساتذة, وأعضاء المجمع العلمي, فقد كان من المقترح دعوتهم إلى إلقاء المحاضرات, لقاء أربع ليرات سورية وربع ! .. ودعوت بعض أعضاء المجمع العلمي, فقبل القسم الأكبر منهم إذاعة محاضراته – إرضاءً لي – ولكنهم لم يبحثوا في أجر المحاضرات !.
وهل يمكن أن يكون الأجر أقل من محطة القاهرة, أو الشرق الأدنى وهما تدفعان للمحاضر أجرة الطريق, كما تدفعان له 25 جنيهاً عن كل محاضرة على الأقل ؟!.
وذهبت للمرة الأولى إلى دار الأستاذ محمد كرد علي, ورافقته إلى المحطة تحت وابل من المطر, وفي ظلام دامس, فألقى محاضرته ...
ورافقت في اليوم التالي الأستاذ المغربي, وأديب التقي, والأمير مصطفى الشهابي ... وكانت محاضراتهم موضع الاهتمام وحديث الناس !.
وخجلت أن أدفع لعضو مجمع علمي خمس ليرات – كما هو مقرر – وطلبت أن يكون المبلغ 25 أو 30 على الأقل فقيل لي : ( موافق ... شريطة أن يقتصر برنامج المساء على المحاضرة, والقرآن الكريم فقط دون غناء ودون موسيقى, ووجع رأس ) ؟!.
ولكن المحاضرة وآي الذكر الحكيم , لا تستطيع "إملاء" البرنامج مدة خمس ساعات !؟ - لا مانع ! نستطيع أن نضع بدل المطربين والموسيقيين اسطوانات, ولدينا منها عدد كبير !.
وراجعت قائمة الاسطوانات فإذا بها تبدأ باسطوانة " يا منعنشة" و "سلام على حسن يد الموت" و "يا عرقسوس" ومعظمها "يشحط" ويكاد لا يسمع !. وقد استعيرت من محطة إذاعة بيروت بعد أن فنيت !.
وطلبت أن يكون في المحطة ( فرقة إذاعة ) فقيل لي : ( ألف فرقة إذاعة ... ولكن على حسابك ) !.
وبالرغم من سخافة هذا الرأي ... فقد ألفت فرقة الإذاعة, وكنت مضطراً لإشغال القسم الأكبر من البرنامج بها .. فبدلاً من محاضرة ( عضو مجمع علمي ) تُكلف 25 ليرة .. لتعزف فرقة الإذاعة معزوفة حبي لعبد الوهاب, أو تحميلة رست لسامي الشوا !.
وبدلاً من غناء المطرب الفلاني ... لتعزف الفرقة ( مارش ) الخديوي .. أو ( قوموا روحوا, قوموا روحوا.. )!. ولم يكف هذا .. بل كانت تصلني كل يوم خمسون محاضرة أو مقالة عن قوة الحلفاء – وكانوا إذ ذاك يفرون من دنكرك – أو عن قوة فرنسا – وكانت إذ ذاك قد استسلمت من أول دقيقة – فكنت أخفي المحاضرات في "درج" المنضدة وأضع بدلاً منها اسطوانة ( سلام على حسن يد الموت .. ) أو ( خدعوها بقولهم حسناء ) ... أو إحدى معزوفات فرقة الإذاعة ؟!.
وأخذت أطلب إلى الدوائر العليا زيادة المخصصات, قائلاً بأن الفنانين, المحاضرين والمقرئين, بدؤوا يحتجون على ( التعرفة ) ويرفضون الغناء, والعزف, والكلام قيل لي : ( ضع بدلا منهم اسطوانات ) !, وعندما قلت للدوائر بأن ( الاسطوانات قديمة جداً, وسخيفة جداً, ومهترية جداً) قيل لي : ( لا بأس أن تغني أنت, ويعزف المحاسب ويتكلم المذيع ... فالموازنة لا يمكن زيادتها ) !.
وتلقيت ذات يوم شكوى من الدوائر العليا ... بأني لا أذيع ( نشرات الدعاية ) أو أنني ألخصها, وأذيع ما يروق لي منها, وأن أحد سكان "ليون" نبهها إلى هذه الناحية ! مع أنني كنت أعلم أن صوت المحطة لا يصل إلى دوما !.
وتحملت هذه المشاكل سنة ونصف السنة, وأنا آمل بتوسيع البرنامج وزيادة المخصصات, فلم أنجح ... ولو أنني نجحت في الاستقالة !

 

 

 

 

 

alchamaa.com © All Rights Reserved . 2002-2016