الصفحة الرئيسية

مقالة "سجل التاريخ" للكاتبة الدكتورة ناديا خوست
عن صحيفة تشرين السورية - زاوية آفاق - بتاريخ 5 حزيران 2004 م
 

منذ سنوات بحثت عن اضرحة شهداء السادس من ايار كانت القبور كلها، ومنها اضرحتهم، قد رقمت، تنفيذاً لقرار من مجلس المحافظة يلزم بتسجيل القبور في سجلات واضحة تحميها من السرقة. جلست الى الحاسوب في مكاتب مقبرة الباب الصغير. وكان بطيئاً متخلفاً. ومع ذلك لم يفدنا الصبر، فلم نجد يومذاك اثراً لشهداء ايار. وبدت تلك الطريقة في تنفيذ قرار مجلس المحافظة واسعة الذمة تستبقي الرقم وتحذف صاحبه!
استبعدنا تكنولوجيا الاتصالات ولجأنا الى العلاقات الشخصية والبحث الميداني فوصلنا الى ما بقي منهم. وفي السياق عبرنا شهداء الثورة السورية كحسن الخراط، وكتابا وشعراء قدماء ومعاصرين، وضباطاً قتلوا خلال عدوان اسرائيلي على مخافرنا في طبرية وشخصيات عثمانية وبدت مقبرة الباب الصغير سجلاً مهماً من سجلات المدينة يفترض ان ترتب كمعرض تاريخي ثقافي.‏ ‏
زرتها عشية السادس من ايار لأتفقد أضرحة الشهداء قبل يوم الاحتفال بهم. ألا يفترض ان نحضرها لتلك المناسبة السنوية؟! وكأنما حدث زلزال غير معالمها! يضع الحي هويته في جيبه، لكن الميت يعلن هويته بشاهدة القبر. فاين هي؟ قصدت ان اسأل عن قيد عبد الوهاب الانكليزي. فاشار الرجل الى قبر بعيد: هناك! ولم يكن ذاك قبره بل قبر امرأة! وجدت فتات الشاهدة التي كانت عالية منقوشة بالشعر، وتبينت في الفتات بعض الكلمات التي سجلتها منذ سنين. وكان مطلع القصيدة: الا في سبيل العرب ندبا قضى صبرا، شهيدا.. وكانت شاهدة عبد الحميد الزهراوي سليمة، كسرت في السابق ورممها الدكتور عدنان البني. ومازال الشعر المنقوش عليها يعلن ان صاحب القبر شهيد: «قد باع بالوطن المقدس نفسه واستعذب الموت الزؤام ولم يخف». لكن مقابل الشاهدة نبت «القريص» وتراكمت الاوساخ واكياس النايلون، ولا يستبعد ان تختبئ فيها افعى وعقرب.‏ ‏
كانت شاهدات اضرحة الشهداء كلها قد سجلت ان اصحابها قضوا دفاعاً عن الوطن. وبذلك النقش من الكلمات والزخرفة تحدى الناس جمال السفاح الذي اتهم الشهداء بالخيانة، واعلنوا انهم ضحوا في سبيل الامة العربية.‏ ‏
حتى الأمس القريب زار الناس تلك الاضرحة كفرض وطني. ثم اهملت فصارت عين مكتب دفن الموتى عليها! وقد رأينا يوم السادس من ايار الاشارات الى ذلك. فالقبر الذي يحضر للبيع تكسر شاهدته اي تخفى هويته ويصبح كمكان مجهول. ثم يرفس ويهدم ثم يباع بالثمن الذي يناسب موقعه في الصدر او الظهر.‏ ‏
في السادس من ايار عندما قصدت مجموعة من المثقفين والكتاب والصحفيين اضرحة تلك الطليعة من المفكرين والكتاب الوطنيين الشهداء، وجدت ان وافداً جديداً من آل العسلي دفن في ضريح شكري العسلي، الوطني الذي كشف في مجلس المبعوثين ان المستوطنات الصهيونية السرية ذات علم ونشيد وطوابع بريدية، ومؤسسات تعليمية ورياضية وانها دولة ضمن دولة. بدا كأن القبر ملك عام لعائلة وليس ضريح شهيد كبير من رجال النهضة. وتبينا ان شاهدة أم شهداء معركة جباتا الخشب من آل العسلي التي سجل عليها انها «ام الشهداء» قد كسرت اجزاء صغيرة! كان قبر رشدي الشمعة سليماً لان اسرته تراقبه وتتفقده لكن شاهدة قبر عبر الوهاب المليحي الانكليزي كسرت اجزاء صغيرة.

عن هذا العمل
تاريخ وأصول العائلة
شخصيات عائلية
الأخبار العائلية
العائلات الدمشقية
الأرشيف العائلي
تواصل معنا
 
 
 
 
 
 
 

‏ بحثنا عن مكان لخطواتنا، وكنا حائرين بين المشي فوق القبور وبين اختراق الشوك. كيف اصبحت هذه المقبرة التاريخية كأحياء المخالفات، مسكينة عشوائية وسخة اختفت منها الممرات وطاشت فيها القبور وامتلأت بالشوك؟ صارت توجع قلب الزائر وتشعره بالخجل لانها كالمزبلة. لماذا؟ هل تغيرت علاقة الاحياء بالموتى مع ما تبدل من العلاقات فغابت الرحمة والانسانية وفقدنا الحاجة الى الجمال والنظافة؟ هل يتصل هذا بعلاقتنا بالتاريخ فلم نعد نقدر مالدينا من شواهده الثمينة؟ ام اصاب الموتى ما أصاب الامة العربية كلها من الهوان؟‏

تسجل المقابر احياناً في الدليل السياحي في العالم وتعد كأمكنة للنزهة. يقرأ الزائر فيها ذاكرة المدن والبلاد. تمتعه بخضرتها وبتنوع الكلمات المنقوشة على حجارتها وبالزهور والاشجار والسكينة وبتأمل علاقة الموت بالحياة. وقد كانت مقابرنا كالحدائق في الاعياد فيها ممرات واضحة وكنا نرى فيها شرائط ونباتات مدللة.‏ ‏
اقترحنا ذات يوم ان تسجل أسماء العلماء والمفكرين والشهداء على جدران المقابر فتنبه الى من فيها وتجعل الزائر يطلع حتى بجولة حول سورها على مافي بلاده من ذاكرة ويشعر بالصلة بين الاجيال. ويضبط ذلك لصوص القبور. لكن اين نحن من هذا!‏ ‏
ففي تلك الزيارة التحضيرية عشية السادس من ايار، عبرت ضريح مؤرخ دمشق الكبير، ابن عساكر، الذي قصه التنظيم من المقبرة ورماه خارجها ومهدت حوله ساحة لتكريمه. واية ساحة! ارض مقفرة مهملة عارية، لا شجر فيها ولاعناية بها قصدت ان أسأل رجلاً في الستين من العمر كان يعبر الطريق: لمن هذا الضريح؟ ردَّ: هذا ولي من الاولياء جعلنا الله منهم! نظرت الى الضريح فوجدته مدهوناً بلون اخضر! الذلك اصبح صاحبه ولياً؟ انتظرت شباباً متعلمين كانوا يعبرون الساحة وسألتهم السؤال نفسه. ردوا: لا نعرف لمن هو! كان اسم ابن عساكر مسجلاً على الضريح، لكنه بعيد عن الناس. ولا لوحة تعلن للمارين اسمه وتعرف به. مع ان اللوحات في شوارعنا تفسر لنا ما هو الجلاء، مثلاً! وتهب سطوراً لضحية مجهولة قتلت في القصف في المعضمية وتخلط الشهيد المقاوم بالضحية!‏ ‏

الا يشير هذا الجهل بابن عساكر مؤرخ دمشق الكبير، الى علاقتنا الخطرة بالتاريخ؟ كنت اظن ان الطالب يسمع بابن عساكر وبشهداء ايار في المدرسة، لكنه يتلقى ذلك كمعلومات مجردة. فلا يخطر لمدرسته ان ترافقه ليضع زهرة على قبر الظاهر بيبرس او ضريح نور الدين الشهيد في سوق الخياطين. لكن صرت اتوهم بعد تلك الزيارة، ان تلاميذنا لم يسمعوا حتى باسم ابن عساكر، او باسم نور الدين الشهيد!‏ ‏
ينبهنا هذا الى اسلوب التربية نفسه. فالتجريد يصور الوطن خريطة من ورق. فلا يعرف الطالب بأنهاره وبساتينه وأضرحته واحيائه ومخطط مدنه وعمارته وسبلانه. بل يلغي العلاقة بالحياة نفسها. بينما يعرف المقاولون تفاصيلها الدقيقة، ويسهل في غياب علاقة الناس بها هجومهم عليها وهدمها وبيعها. الا يفترض ذلك تغيير منهج التربية نفسه وعلاقته بالارض الوطنية؟‏ ‏
من المسؤول عن مقبرة الباب الصغير؟ مكتب دفن الموتى! الحقيقة اذن: انها ارض لبيع القبور وشرائها. وليست حرماً من التاريخ الذي يجب ان يحمى! ،ستكون قبور شهداء ايار من تلك الضحايا، وكم دمر قبلها وسيمحى بعدها!‏ ‏
ترى هل نستطيع ان ننقذ ذلك السجل التاريخي ونرتبه كمزار وحديقة ونضعه في حراسة مؤسسة تاريخية او مدنية؟ هل سترتب المقبرة وتنظف، وستعاقب المجموعة التي تسرق القبور وتتقاسم بيع الذاكرة، وتسجل قبور شهداء ايار؟!

 

 

 

 

alchamaa.com © All Rights Reserved . 2002-2016