الصفحة الرئيسية

مقالة "شهداء أيار" للكاتبة الدكتورة ناديا خوست
عن صحيفة تتشرين السورية - زاوية آفاق - بتاريخ 8 أيار 2004 م .
 

كُتب على شاهدة ضريح رشدي الشمعة، الذي لم تسجل محافظة دمشق اسمه في ساحة الشهداء حتى اليوم، «شهيد الأمة العربية». وعبّر ذلك عن شهداء أيار الذين كانوا طليعة مبكرة، واجهة أمة، مثقفين متنورين، كتابا وشعراء وصحفيين، من هواة اللغة العربية وذواقتها، درسوا في أرقى المعاهد الغربية والعثمانية، لم يجنوا المال من مراكزهم بل أنفقوا أموالهم في العمل السياسي الوطني، وعوا المشروع الصهيوني لاحتلال فلسطين وقاوموه، ولذلك توجسوا من اقتسام الدولة العثمانية مخمنين أن فلسطين ستقتطع وقتذاك للمستوطنين الصهيونيين. بدؤوا من وحدة بلاد الشام، وأكدوا تلك الوحدة بمصيرهم الذي جمع على المشانق في دمشق وبيروت رجالا من أنحائها ومنها فلسطين. يستطيع المؤرخون اليوم أن يصنفوهم في مرحلة تقدمها ممثلو البورجوازية الوطنية، وأن يشبهوهم برجال الثورة الفرنسية، وبالديسمبريين في روسيا. شرط أن يضيفوا إلى ذلك أنهم كانوا من أوائل ضحايا الصهيونية.
تحدى معاصروهم يومذاك حكم الإعدام عليهم، فألّفوا الأهزوجة المعروفة «زيّنوا شامنا». ونحتوا لهم أضرحة من الحجر رفعوا عليها شاهدات عالية، نقشوا فيها شعرا ونثرا فريدا يثبّت أنهم تحدوا الموت وقبلوه دفاعا عن الأمة العربية. وقد بقيت أرتال الأجيال تغطيهم بالزهر حتى زمننا. فلماذا غابوا وفقدوا زوارهم منا؟ ألأن أرتال الشهداء كثيرة بعدهم ومايزال العرب يقدمونها في بغداد وفلسطين؟ استبقينا رمزهم في حياتنا. لكننا لم نرث زيارتهم، كأننا انصرفنا إلى مجرداتنا. وماأخف التاريخ عندما يصبح صورة تعلق على جدار فلا تكلفنا خطوة! وكان يفترض أن تعيدنا إليهم الرموز الجديدة التي يجتمع فيها شهداء فلسطين والفلوجة والنجف ويجسدون وحدة المقاومة العربية التي تواجه الصهيونية!
‏ ‏ يوم بحثنا عن تلك الأضرحة غبنا في المقابر شهرا، واكتشفنا خلال ذلك أضرحة شهداء اعتداء إسرائيلي على المخافر السورية في طبرية. وعندما جلسنا إلى الحاسوب في مقبرة الباب الصغير الذي يفترض أنه يسجل أسماء نزلاء القبور ومواقعها، كي يمنع على الأقل سرقتها، لم نجد لشهداء أيار أثرا! مع أن القبور كانت مرقمة! ثم اهتدينا إلى بعضها بفضل القرابة بين الأسر الدمشقية.‏ ‏ زرناها يومذاك كمجموعة من المثقفين لايملكون غير سلطة معنوية توهم بأنها قادرة على حماية الشواهد الوطنية التي لايجوز أن تباع أو تهمل أو ينظر إليها كملكية شخصية. ولذلك ساءنا أن يدفن ابن شكري العسلي، مناهض الصهيونية الكبير، في قبر أبيه فيشوه القبر ويجعله أكثر قبور شهداء أيار تواضعا! في هذه السنة عرفنا أن ضريح الأمير عمر الجزائري، ابن عبد القادر الجزائري، الذي كنا نبحث عنه، سرق ودثر! فقد سرقت شواهد قبور أسرة الجزائري وبعض أضرحتهم ومنها أيضا ضريح الأمير عز الدين الجزائري، شهيد الثورة السورية الكبير وآخر من أطلق رصاصة فيها. مع أن قبور أسرة الجزائري تقع ضمن سور. وقد قيل للأميرة بديعة، حفيدة عبد القادر الجزائري، عندما اشتكت من سرقة قبر أبيها: راح، فانصرفي إلى مابقي! وكانت ترمم السور كل مرة فيثقب مرة أخرى!‏ ‏
كرم الوطن شهداء أيار بأنه نسب إليهم جميع الشهداء الذين لحقوهم خلال الصراع العربي الصهيوني. وثبّت بذلك أنهم طليعة الشهداء العرب في ذلك الصراع. فأصبح يوم السادس من أيار يوم الشهداء. لكن حماية الذاكرة العامة تستلزم ردع من ينظم سرقة الأضرحة ويبيعها، ويتاجر بالذاكرة في هذه المساحة أيضا. فثمن القبر في زوايا مقبرة الدحداح البعيدة مئتا ألف ليرة!‏
تستلزم حماية تلك الأضرحة تنظيم زيارات إليها، تعرّف الشباب والطلاب بها، وتنشر الوعي بأن الوطن نسيج مجسد من أرض وشجر وأبنية تاريخية وهوية معمارية. وتجعل الناس حراس المعايير التي تؤدب من يسلب الأوطان ذلك الغنى الذي تشيده أجيال طويلة. أليس الفرق بين المدينة العربية والمستوطنة الصهيونية أن هذه تشبه المنتجع السياحي المقتطع من أرض عربية خصبة، بينما تتميز المدينة العربية بعمقها التاريخي، بما فيها من ثروات معمارية وأضرحة ملوك وأمراء ومقاومين وعلماء ومؤرخين وشهداء، شواهد على استمرار تاريخي لم ينقطع قط؟‏ ‏

عن هذا العمل
تاريخ وأصول العائلة
شخصيات عائلية
الأخبار العائلية
العائلات الدمشقية
الأرشيف العائلي
تواصل معنا
 
 
 
 
 
 

 

 

 

 

 

ينتبه بعض أحفاد شهداء أيار اليوم إلى قيمة الذاكرة الوطنية. فيجمعون بجهد شخصي وثائق أسرهم، ويرصدون البيئة التي نشؤوا فيها، فيقدمون في الوقت نفسه صورة مجتمع ووضع وأفكار. وقد جمع آل الشمعة بعض تلك الوثائق والصور الفريدة ومنها صورة البيت الذي عاش فيه شهيد أيار في القنوات. وجمعت حفيدة عبد القادر الجزائري وثائق أخرى عن جدها وأسرتها.‏ ‏
كان يفترض أن تحمى بيوت شهداء أيار وتوضع لوحات عليها تذكر المارين بها. وقد ذكرنا أن بيت الشهيد رشدي الشمعة هدم باسم استملاك الأبنية المدرسية. وكان ذلك البيت قصرا فيه عدة حدائق منها حديقة النارنج، وأرض دار واسعة، وكان يجمع عدة بيوت عربية ويمتد من حارة إلى أخرى. وقد دعي إلى الغداء فيه امبراطور ألمانيا غليوم. فأساء هدمه إلى الذاكرة الوطنية وأفقد دمشق ثروة!‏ ‏

يعرف بعضنا بيت عمر الجزائري في دمر وكان القاشاني يتصدره. وقد صودر البيت بعد إعدام الأمير عمر فترة من الزمن. وفي سنة 84 حشدت فيه سامية المدرس اللاجئين وغيرهم. وقد استملك منذ عقد ونصف تقريبا. إلى جانبه يقع بيت رشدي الشمعة الصيفي، ولعل الشهيد كان فيه يؤلف مسرحياته الوطنية التي عرضتها مسارح دمشق بأسماء مستعارة. وقد استملك هذا البيت أيضا. لكن البيتين لم يرمما، وعانيا من سرقة أجزاء منهما. فكم كان من المناسب الاحتفال بهما كمتحفين لشهداء أيار ولذلك المنعطف من التاريخ الذي رسم خرائط جديدة جرفت دولة شرقية وربطت أجزاءها بالغرب ووضعت فيها كيانا غريبا عنصريا. كما أنهما يذكران بمخطط المدينة الذي كانت فيه للأسر الدمشقية المعروفة بيوت في دمر يمضون فيها الصيف.‏ ‏

يذهل ماتحتويه بيوت أسر شهداء أيار من شواهد قيمة. وقد رأينا صور الأوسمة الثمينة، والملابس الرسمية الجميلة القديمة، وهوية أحد شهداء أيار المندوب في مجلس المبعوثان، وكتبا تركية مطبوعة بالحروف العربية تعبر بموضوعاتها عن هوية ثقافية. ونعتقد أن تلك الأسر ستقدم مالديها لو كرس بيت الشمعة وبيت الجزائري لذلك. فشعر أصحابها بأنها ستكون في أمان فيهما أكثر مما هي لديهم. وقد شكا أحدهم من قلقه لأن أولاده لايقدرون مافي بيته من تلك الشواهد.‏ ‏
نتساءل لماذا لاتنتبه المشاريع إلى هذا الاتجاه بل تجري عكسه؟ فنرى الحماسة لتشويه الأبنية التاريخية وغرس مخازن عادية يشيد مثلها في أي مكان، كما هو الحال في مشروع محطة الحجاز التجاري؟ لماذا تبدو الاستثمارات في شكل مخازن وسلع ولايخطر للساهرين على تلك المشاريع التجارية أن حماية الذاكرة الوطنية والتاريخية استثمار وطني سياحي مستمر في الحاضر والمستقبل؟!‏ ‏

زارتني منذ أيام صحفية ألمانية مهتمة بالشرق، عبّرت عن ذهولها مما رأته حول محطة الحجاز التاريخية التي ما أكثر ماسافر شهداء أيار منها. وأدهشها أن نجهل المعايير العالمية التي تفرض حماية البنية التاريخية وتضبط الإنشاءات حولها. قالت: هل تظنون أننا نأتي إلى بلادكم كي نرى منشآت تجارية ومخازن معاصرة، أم لنتأمل هويتكم وعمارتكم التاريخية التي لامثيل لها عندنا؟ فأكد كلامها تطابق الرأي العام السوري مع المعاصرة ومع المعايير العالمية، وغربة المشروع التجاري الأميّ عنها. تساءلت الصحفية أيمكن أن يستخف المال إلى هذا الحد بالتاريخ، وأن يجهل إلى هذا الحد المعاصرة الحقيقية؟ لديكم ثروة قيمة لكن يبدو أن من يديرها جاهل بالخبرة العالمية في تطوير المحطات القديمة، مع أنكم تقولون إن سبب تلك الإنشاءات الانفتاح على العالم. هذا ليس انفتاحا بل هذا تدمير هويتكم وتاريخكم، وعرض للجهل بما يعتمد في الدنيا!‏ ‏
حملت السكة الحديدية الحجازية التي تحدثت عنها الصحفية الألمانية شهداء أيار من عاليه إلى دمشق. وتبعهم على السكة نفسها المتطوعون الذين استشهد كثير منهم في ميسلون. وقد ثبتت المحافظة ذات يوم إشارة إلى اولئك المتطوعين على بناء المحطة فانتزعتها الإدارة الجديدة منها. ترى هل يستطيع الشهداء أن يفرضوا حماية الأمكنة التي تركوا فيها خطوات الذاكرة العامة، أم سيكون المال والربح الفج هو الأقوى؟ هل سيفرض الرأي العام حماية أضرحتهم ومابقي من بيوتهم وأشيائهم، ويحمي من المشروع التجاري محطة الحجاز التي عرفوها وألفوها؟ أم سيكون الاندفاع إلى هدم التاريخ في سبيل المال هو الأقوى؟‏‏

 

 

 

 

alchamaa.com © All Rights Reserved . 2002-2016