الصفحة الرئيسية

مقالة "السادس من أيار" للكاتبة الدكتورة ناديا خوست
عن صحيفة تشرين السورية - زاوية آفاق - بتاريخ 28 نيسان 2003 .م

 

اكتشفت إحدى حفيدات شهيد أيار رشدي الشمعة، مكتبته الثمينة. والمكتبة تكشف صاحبها، وتحمل أثر يديه وذوقه واختياره. وماأغرب أن يذهب الحيّ وتبقى أشياؤه وكأنما الأطياف تؤنس الأحياء! ‏
كان رشدي الشمعة، مثل رفاقه من شهداء أيار، مثقفا متنورا، قدّر مكانة المسرح وأفاد منه في المقاومة الوطنية. فكتب مسرحيات بأسماء مستعارة، استلهمت التاريخ العربي. ولعل من تلك المسرحيات طارق بن زياد التي كتبت عنها الدوريات السورية يومذاك، وحضرها الرعيل من رجال النهضة، وخصص ريعها لغرف القراءة المنتشرة في أنحاء دمشق. كان المسرح يومذاك مركزا من مراكز النهضة الفكرية والدعوة الوطنية. فعرف مسرح زهرة دمشق في ساحة المرجة، مثلا، عروضا قدمها جورج أبيض وسلامة حجازي. ولو استعدنا تلك الأيام لأدهشنا توهج الحركة الثقافية. فالمحاضرات كانت تلقى في النادي العربي، والمدارس تفتتح للإناث وللذكور، والمسابقات تعلن لدار المعلمات، والتحف تجمع من البيوت لتأسيس متحف وطني. ومعهد الطب الأول من المعاهد العلمية المتقدمة التي دافع عنها شهداء أيار. كان الحلم بالحرية والاستقلال يواكب مشروع التفتح الثقافي الذي حمله رجال أيار المختصون في أرقى المعاهد العالمية.
سحق إعدامهم ذلك التوهج الثقافي والسياسي في بلاد الشام يومذاك، واستبعد الرعيل الأول من الرجال المؤهلين لإدارة الوطن. وأطلق الإرهاب وأغرقت البلاد في مآسي الحرب. ‏
نفيت أسر شهداء أيار وصودرت أملاكهم. لكن دمشق غنت لهم، بالرغم من الإرهاب، أهزوجة لاتزال تغنى ولو نسينا أصلها: "زينوا شامنا.. وشامنا فرجة وهي مزينة". ونقشت أضرحة شهداء أيار فكانت هي أيضا فرجة. كان ذلك رد مدينة على جمال السفاح الذي اتهم الشهداء بالخيانة. كُتب مثلا على ضريح رشدي الشمعة: "شهيد الأمة العربية". وحُفرت قصائد متنوعة على الأضرحة تثني على وطنية الشهداء. ‏
في سنة ماضية بحثنا عن تلك الأضرحة وزرناها كمجموعة من الكتاب والفنانين يحيون ذكرى شهداء أيار. وأطللنا على الجيل الشجاع الذي حملهم إلى المقبرة، بالرغم من المحكمة العرفية التي هددت المنحازين إليهم بالموت، ونقش لهم أضرحة تليق بهم. أحزننا يومذاك أن قبر شكري العسلي خرّب كي يدفن فيه ابنه. وتساءلنا هل يجوز استخدام أضرحة الشهداء كقبور شخصية عادية. ‏
وجدنا يومذاك بعض تلك الأضرحة، بعد بحث. وتمنينا أن توضع لوحات على جدار المقبرة الخارجي تبين من يثوي فيها من رجال الوطن. فينفذ قرار مجلس المحافظة في التسعينيات: أن تزنر المقابر بأسماء من فيها من الشهداء والعلماء. وقد كشفت لي جولات البحث بين القبور يومذاك عن أضرحة المدافعين عن الأرض السورية في عدوان إسرائيلي، وغيرهم ممن يستحق أن يعلن اسمه على الجدار الخارجي. ‏
بعد زيارة الأضرحة يومذاك زرنا المكان الذي أعدموا فيه في المرجة. وتبينا غياب اسم رشدي الشمعة من الحجر الذي يذكّر بهم. حفر مكانه اسم شهيد آخر ممن أعدموا في بيروت. ومايزال الخطأ حتى اليوم قائما! ‏

عن هذا العمل
تاريخ وأصول العائلة
شخصيات عائلية
الأخبار العائلية
العائلات الدمشقية
الأرشيف العائلي
تواصل معنا
 
 
 
 
 
 
  بعد ذلك زرنا بقايا بيت رشدي الشمعة في القنوات، وهو بيت أبيه أحمد باشا الذي استضاف الامبراطور غليوم. ويتبين من يفحص المخطط القديم أن القصر كان وسط حدائق وفناءات تؤهله لتوظيف متميز وسط ذلك الحي القديم! لكننا وجدنا أن استملاك الأبنية المدرسية هدمه وشيد مكانه بناء اسمنتيا بشعا. فأذهلنا العقل المتخلف الذي لم يقرأ التاريخ في العمارة، فلم يقدر مشروعا لمثل ذلك القصر، غير الهدم! فدمر الذاكرة المعمارية والتاريخية والوطنية. ‏
أوصلنا الخيط إلى الأسر التي تحتفظ بوثائق تاريخية مهمة. فرأينا هوية أحد شهداء أيار في مجلس المبعوثين. وكان وارثها قلقا عليها، لأن أولاده قد لايقدرونها. حرّض ذلك البحث شابا من أحفاد رشدي الشمعة، فجمع من أقربائه صور الثروة التاريخية التي يخزنونها. وقدم لي مصنفين يتقصيان الأسرة التي عاش فيها شهيد أيار، صور وسام أبيه وملابسه الرسمية، وصور القصر الذي هدم في القنوات. صور تاريخية، وصور أشياء ثمينة تجسد زمنا ومكانا، وتحتاج المشروع الملائم الذي يثبت مزارا حيا للسادس من أيار. ‏
من تلك الصور صورة البيت الذي كان يكتب فيه رشدي الشمعة مسرحياته. ومازال قائما، بالرغم من سرقة نوافذه وأبوابه. يطل على دمر، حيث كانت البيوت الصيفية لأسر دمشق الكبيرة، ومنها بيت الأمير عمر الجزائري، شهيد أيار الذي لم نجد ضريحه بعد. وقد صادره جمال باشا بعد إعدام صاحبه وجعله كمستوصف للضباط. صورنا ذات يوم ذلك البيت الجميل وكان اسم عمر الجزائري مرسوما بالقيشاني في مدخله. ثم حجب البيت عن المارة ولاندري مصيره. وكان يمكن أن يحمى بمشروع. ‏
لدى أسرة رشدي الشمعة الآن بيته في دمر، ولديهم مكتبته، وأوسمة أبيه الذي كان ذا دور في الحياة السياسية السورية، وصور وملابس عنيت بها الأسرة وحفظتها. وهي ممتلكات شخصية لأصحابها. لكننا نثق بأنهم سيقدمونها إذا وجدوا مشروعا ثقافيا يثبت هذا البيت لشهداء أيار، ويجمع فيه آثارهم وصورهم ووثائقهم وماكتب عنهم، وتلحق به مكتبة يمكن أن تجمع الوثائق بحملة تبرعات. فيكون كمتحف تشرف عليه وزارة السياحة مع أسرته، وترممه مؤسسة ذات خبرة علمية بالترميم. ولانشك في أن المشروع، إذا اعتمد، يمكن أن يجد التمويل المتواضع. فالمشاريع المخلصة تحتاج الذوق والبساطة لا تبذير المال في الديكور والبهرجة! ونثق بأن مثل هذا المشروع يمكن أن يقوم بعمل تطوعي لابلجان ذات رواتب وموازنات! ‏
في العالم متاحف كثيرة لأفراد أو أسر أو أزمنة تاريخية. ويباح أحيانا لملاكي القصور أن يستقبلوا الزوار ببطاقة تعتمدها لهم المتاحف الرسمية كي ينفقوا على ترميمها وحمايتها. السبل كثيرة إلى الحماية. لأن الهدف النبيل، الثقافي والوطني، ألا تهدر الذاكرة التاريخية والشواهد الحية. ولاشك في أن تحقيق مثل هذا المشروع سيشجع أسرا كثيرة وأفرادا على كشف مالديهم من وثائق، إذا آمنوا بأنها ستعرض في المكان الذي يستحقها وستكون في أمان. ‏
يجدّد السادس من أيار هذه السنة وحدة المقاومة العربية. فقد اجتمع آلاف الشهداء الفلسطينيين والعراقيين في مقاومة العدوان والحرب، واستشهد مئات المتطوعين العرب في أنحاء العراق دفاعا عنه. قاوموا هم أيضا، مشروعا استعماريا يتداخل فيه المشروع الصهيوني. وحدث ذلك، أيضا، خلال رسم خرائط جديدة للمنطقة العربية. ألا يستحق هذا الرمز الحفاوة به؟ ‏
نتمنى أن تحمى أضرحة شهداء أيار كما هي، دون مشاريع تزيين تغيّرها وتشوّهها، وأن تسجل في سجلات المقبرة على الأقل! نتمنى أن يحمى مابقي من آثارهم، بمساعدة أسرهم! ويقع هذا في ضرورة الحفاظ على الذاكرة الوطنية والتاريخية التي يشترط الاحتلال الجديد محوها وتدميرها! ‏

 

 

 

 

alchamaa.com © All Rights Reserved . 2002-2016