الصفحة الرئيسية

مقال كتبه الشهيد رشدي الشمعة في صحيفة
المقتبس قبل بضع سنوات من استشهاده

 

توطئة وتمهيد
بقلم المحامي الأستاذ سامي الشمعة
 

في عام 1909م قامت جمعية الاتحاد والترقي بانقلاب ضد السلطان عبد الحميد الثاني وأطاحت بحكمه.  روجت الجمعية لنفسها بداية الأمر على أنها حامية للدستور وللحريات السياسية,  وسرعان ما انتشر مؤيدوها في أنحاء المدن الخاضعة للحكم العثماني . أقيمت في تلك السنة انتخابات لمجلس النواب الجديد,  ونجح مرشحو الاتحاد والترقي في كثير من الولايات السورية,  إلا أنهم خسروا معركتهم الانتخابية في دمشق التي  نجح فيها خمسة من الأعيان وهم : عبد الرحمن باشا اليوسف , الشيخ محمد العجلاني, الشيخ سليمان الجوخدار, رشدي بك الشمعة, وشفيق بك المؤيد العظم.

قاوم هؤلاء النواب سياسة جمعية الاتحاد والترقي القائمة على سياسة التتريك واضطهاد حقوق العرب في الدولة , وسعوا من خلال مركزهم في مجلس النواب للدفاع عن حقوق أمتهم وصيانتها في وجه التيار الجارف الذي أحدثه الاتحاديون في البلاد العربية.  وقد أصبحت عداواتهم لجمعية الاتحاد والترقي أكثر وضوحاً وعلانيةً. وشاركهم في ذلك عدد من نواب المدن العربية السورية الأخرى.

خلال سلسلة الدورات البرلمانية التي عقدت بين العامين 1909م و1911م هاجم النائبان الدمشقيان شفيق المؤيد العظم ورشدي الشمعة, الاتحاديين بعنف , ولقيت جهودهم تأييداً لدى آخرين كالشيخ عبد الحميد الزهراوي وشكري العسلي.  وفي عام 1912م أجريت انتخابات نيابية جديدة ونظمت بطريقة ضمنت للاتحاديين الفوز في جميع المدن وأخرجت نواب دمشق المعارضين لسياساتهم من المجلس.  ورداً على ذلك شكل هؤلاء النواب في ما بينهم حلفاً عربياً مقاوماً لسياسات جماعة الاتحاد والترقي,  وعملوا على تأسيس وتنظيم أحزاب وجمعيات معارضة لسياسة الاتحاديين القائمة على التتريك وهضم الحقوق العربية .وكانت النتيجة في النهاية الحكم عليهم وعلى رفاقهم من المدن السورية الأخرى بالإعدام وذلك في السادس من أيار 1916م[1].

عن هذا العمل
تاريخ وأصول العائلة
شخصيات عائلية
الأخبار العائلية
العائلات الدمشقية
الأرشيف العائلي
تواصل معنا

 

 
 
 
 
 

 

الآن وبعد مرور مائة سنة ونيف على نشر المقال للمرة الأولى نعيد نشر هذا المقال الذي كتبه الشهيد رشدي الشمعة في صحيفة المقتبس لصاحبها محمد كرد علي الصادرة بدمشق بتاريخ 09/ 09/ 1909م  يدافع فيها عن أعمال النواب العرب في مجلس المبعوثان ويشرح فيها آليات العمل ضمن المجلس والأعمال التي قَام بها هو وزملاؤه من النواب. تتميز المقال بشرح عن أسس العمل النيابي في تلك المرحلة وآليات الانتخاب . والقوانين التي تم مناقشتها وإقرارها.

في تلك المرحلة كان انقلاب الاتحاديين في أوج قوته وعنفوانه . وكان السائد هو مجاراة تيارهم وإطناب المديح لهم من قبل السياسيين الراغبين في الترقي أو الصحفيين اللاهثين وراء المجد . لكن رشدي الشمعة تجنب في مقاله أي مديح لجماعة الاتحاد والترقي. وظهر واضحاً الجفاء والحذر تجاههم وتجاه سياستهم . فهو رحب بشعارات الحرية وحماية الدستور,  لكنه بقي حذراً تجاه النوايا الخفية التي تستهدف حقوق الأمة العربية وكأنه شعر بهذه النوايا.  كان هذا الحذر سمة نواب دمشق.  فقبل هذه المقال بعدة أشهر وضمن حملة تحريضية انتقدت الصحيفة ذاتها نواب العرب الذين وصلوا إسطنبول للمشاركة في أعمال مجلس المبعوثان انتقدتهم لامتناعهم عن زيارة مقر جمعية الاتحاد والترقي وجفائهم تجاه الاتحاديين [2].

في المقال نفسه تنبأ رشدي الشمعة بمصيره فهو يقول :  ( أنني أول من يفتخر بالقومية بل يفدي حياته بالحصول على ما من شأنه إعلاء قدرها ).  وهذا ما كان له ولرفاقه الذين صدر قرار إعدامهم من المجلس العرفي المنعقد في عاليه ونفذت فيهم أحكام الإعدام بدمشق وبيروت صباح 06/ 05/ 1916م  . 
الهوامش

[1] - التفاصيل من كتاب ( أعيان المدن والقومية العربية : سياسة دمشق 1860-1920 ) . فيليب خوري . مؤسسة الأبحاث العربية , بيروت 1993.
[2] - ورد ذلك النقد في افتتاحية صحيفة المقتبس, العدد الصادر بتاريخ 31 /12/1908 بقلم محمد كرد علي.


صوت مبعوث[1]

ما أتم مجلس الأمة مذاكرته للفصل الأول من اجتماعه وارْفَضَّ[2], إلا وقامت بعض الجرائد, بل الصحف العربية خاصة, تندد بأعمال من انتُخبوا نواباً عن البلاد العربية وتتهمهم بالتهاون والتكاسل بما عهد إليهم وتنسب إليهم العجز والضعف تارة, وتقول عنهم نياماً إلى آخر ما هنالك من اللوم والتنديد تارة أخرى.  وقد فرغت جعبة أصحاب الأقلام منهم في هذا الباب وظهر للملأ أن بين الجامعة العربية[3] أفراداً أفاضل يحسنون الإنشاء وتركيب الجمل وأمسى من الأكيد الذي لا مشاحة فيه أن هؤلاء المنتقدين كان يجب أن يمثلوا الأمة العربية في المجلس لسمو مداركهم ولمعرفة الداء وقدرتهم على إعطاء الدواء.  وأدركت الأمة الخطأ الذي حصل منها بانتخاب من انتخبت فحرقت من الغيظ الأُرّم[4] وقرعتْ لذلك سن الندم وفسحت المجال لصحافتها فطالت هذه[5] واستطالت وقامت بلسان الأمة تريد أن تناقش نوابها الحساب وتطلب منهم البيان عما أجروه وعن التقارير التي قدموها وعن عدد الكلمات التي تكلموها وعن ... وعن ... الخ.

وفي خلال كل نشرة تكلفهم التخلي عن مراكزهم لسواهم ممن رضعوا لَبان العلوم فأصبحوا قادرين على المناضلة والمجادلة والتكلم على منبر الخطابة ليعيدوا بقدرتهم سابق مجد العرب وحقوقهم المغتصبة منهم التي استولت عليها عناصر أخرى.  والبعض منهم يريد أن ينشر المبعوث بياناً عن أعماله ليرى الشعب فيها رأيه ويحكم بينه وبين وكيله على ما تقتضيه الحال, وكانت اللهجة عامة والسؤال موجهاً لنواب العرب كافة, فكنت حينئذ بالطبع انتظر التخصيص لأجيب, فقرأت في العدد 222 من جريدة المقتبس سؤالاً تحت إمضاء "سوري" موجهاً لمبعوثي سورية يدعوهم السائل للإقتداء بمبعوث حوران الذي أحرز (  ببيان أعماله بإصلاح حوران ) ثناءً وشكراً من القراء.  وكنت قبل ذلك أظن سمو مدارك من اندفع في تيار اللوم يعود من نفسه إلى الصواب ولإدراك مركز المنتخِب ( بكسر الخاء ) وواجبات المنتخَب ( بفتح الخاء ) وللوقوف عند حد معين معلوم يفهمه من عرف ماهي الحكومة الدستورية ويستوعبه من درس حكمة قانونها الأساسي فكيف عن إراشة[6] سهام تنديده خوفاً من أن تطيش,  وما كنت, وآيْم الله[7] ,مجاوباً بكلماتي هذه انتصاراً لنفسي أو لزملائي بل أردتُ بياني هذا خدمة للقراء فيتضح بها صبح الحق لذي عينين, ومع اعترافي بالعجز أقول :

من المعلوم أن الدولة الشوروية[8] الدستورية تتألف من سلطان وشعب, فالسلطان توليه الأمة أمورها ليحكم بها بقوانين تسنها لنفسها راضية بما تحتويها, سواء كان لها أو عليها, وأنه لا يتسنى للأمة عامة الاجتماع وتبادل الفكر والرأي بتنظيم القوانين لاستحالة ذلك, فيؤخذ بنسبة العدد واحد من كل خمسين ألفاً من الذكور فيؤلف العدد المقتضي لأعضاء مجلس المبعوثين الجدير بأن يطلق عليه أسم ( شورى القوانين ) لوظائفه المعينة المحدودة.  والأمة جمعاء تنتخب في دائرة كل لواء[9] من الدولة من تعتمد عليهم لينتخبوا عنها مبعوثاً فيكون هذا المبعوث نائباً - لا عن لوائه وقومه فقط بل عن جميع تِبعة[10] الدولة بلا استثناء -  وأمرُ انتخابه مفوِّضاً لمعتمدي الأمة الذين يسميهم القانون منتخِباً ثانياً[11]. وهؤلاء هم الذين ترك لهم الشعب أمر إنابة المبعوث, فالنائب عن جميع الأمة يكون منتخَباً ممن وكلتهم وأعطتهم أفرادها الحق بتوكيله, فيجتمع في السنة بعاصمة الدولة نواب الأمة أشهراً معينة يسنون في خلالها القوانين ليصير تطبيقها[12] على عامة أفراد الأمة بلا تفريق ولا تخصيص.  وهذه القوانين تسلم إلى السلطان ليحكم بمقتضاها فينتخب السلطان قوة إجرائية تنفيذية لإدارة الملك بمقتضى القوانين التي سنَّها النواب.  وهذه الهيئة الإجرائية المؤلفة من صدر أعظم ونظار ترسم خطتها وتعرضها على القوة التشريعية ( مجلس المبعوثين ) فإن كانت موافقة للقانون الذي سلمته للسلطان أعلنت اعتمادها وثقتها فتطبق هيئة الوزارة الحركة على مقتضاها وإلا فتستقيل ويؤلَّف غيرها.  ولكل مبعوث حق صُراح[13] باستطلاع طلع[14] كل حركة تصدر من القوة الإجرائية إذا كانت مخالفة للقوانين التي اشترك بتنظيمها, لأن القوة الإجرائية منتَخبة من غيره[15] ولا دخل له بانتخابها[16] فيحق له أن يناقشها الحساب إذا خرجت عن الخطة المعينة لها.  والمنتخب منها من طرف السلطان إنما هو الصدر الأعظم فقط,  وهذا له الحق بأن يؤلف هيئة النظار بانتخابه وهو المسؤول عن أعمالهم ومع كونه مسؤولا يحق له أن ينتخب ولا يجوز له أن يعزل من ينتخبه أو يدعوه إلى الاستقالة أو يناقشه حساباً.  ومن أدرك الحكمة المرتبة عليها الدول الشوروية يسلم بلا ريب قبل كل شيء بأن للأمة الحق أن تنتخب مبعوثين وليس لها حق بأن تعزلهم, وليس لها ولا للسلطان أيضاً حق بسؤالهم ومناقشتهم.  والوظائف في مجلس المبعوثين مشتركة لا مخصصة بقوم دون آخرين لأن كل مبعوث هو وكيل عن الأمة العثمانية كافة والاقتراحات القانونية تتبع أكثرية الآراء.

هذه كلمات أردت أن أبسطها تمهيداً للجواب وهي من الأمور المسلمة لدى كل من عرف الدولة الشوروية ودرس كيفية تأليفها.  وإذا جاز السؤال من المبعوث عن أعماله بالمجلس من بعض الأفراد فما عليه إلا أن يستنهض همة الصحافة بنشر خلاصة أعمال المجلس جواباً لأن المبعوث لا يقوم     بأعمال بالانفراد ولا يكون نائباً عن قوم دون آخرين بوظيفته التي هي سن القوانين.  وكلٌ يعلم أن مذاكرات المجلس علنية وأعماله مشتركة, فيقدر كل مبعوث أن يقول كل ما جرى في المجلس هو من طرفي[17] وهذه النكتة[18] أدركها جناب زميلنا مبعوث حوران وأجاب بما أجاب.

للأمة مجلسان أعضاؤهما منتخبون منها , الأول مجلس المبعوثين وهو للمذاكرة بقوانين الدولة العامة دون تخصيص ولا تفريق في المكان والزمان, والثاني مجلس عام في كل ولاية للنظر في احتياجاتها الخاصة.  فوظائف الأعضاء المنتخبين لمجلس المبعوثين سن القوانين والنظر في المهام العامة, وعلى الأعضاء المنتخبين للمجالس العمومية والولايات النظر في تنظيم الطرق وتجفيف المستنقعات وتعميم المعارف وتحسين الزراعة والتجارة والبحث بتعديل التكاليف والضرائب وكيفية جبايتها والأنفع منها للبلاد, وكل ما من شأنه ضمان راحة أهالي الولاية المنعقد بها. فأرى الأمة أن تسال من المبعوثين ( الذين وظائفهم محدودة تشريعية ) عن وظائف منتخَبيهم الآخرين الذين هم هيئة المجلس العمومي.

كان يجب على أصحاب الأقلام أن يلوموا الأمة على تقصيرها بعدم الاستفادة من الحق المعطى لها قانوناً بانتخاب مبعوثين بنسبة العدد لا بدرجة اقتدار النواب في مجلس مقرراته تتبع أكثرية الآراء.  فالأمة العربية يقال عنها أنها ذات حول وقوة وعددها يربو على عشرين مليوناً الخ, فالعشرون مليوناً ينبغي أن يكون لهم أربعمائة مبعوث في المجلس, وليس فيه سوى مقدار أربعين فقط وهم واحد من سبعة عناصر أخرى, ووظائف مجموعهم مصلحة الأمة العامة.  وكان ينبغي للأمة العربية أن تدرك هذا الأمر وقد أباحت لها الدولة أن تقدر النفوس تقديراً ولم تحدد لها عدداً, ولا منعت من هو غير داخل في دفاتر النفوس الإحصائية الرسمية من أن ينتخِب أو يُنتَخب, وها أن القطعة اليمانية[19] مع بعد أهليها عن المدينة وتوحشها من الحكومة[20] استفادت من هذه المساعدة فأرسلت من استطاعت إرساله من المبعوثين.  فما هي الأسباب التي أخرت الملايين من الأمة العربية عن انتخاب عدد عظيم لها الحق بانتخابه, وقامت تستر خطأها بإسناد العجز لمبعوثيها الذين قللت عددهم باختيار منها, ولم تكتف بذلك حتى أدخلت في منتخبيها العدد الوفير من العناصر الأخرى. والحساب لا يختلف فيه اثنان وهو كما يأتي : الولايات التي نسميها عربية وفيها كما يزعمون عشرون مليوناً انتخب منها خمسة وستون مبعوثاً .  أي أن ثلاثة ملايين فقط اشتركوا بالانتخاب ومن هؤلاء - ثلاثة الملايين -  القطعة اليمانية وطرابلس الغرب ثم مواطنينا من الأتراك والأكراد كمرعش وأورفة وماردين وكركوك والسليمانية وغيرهم.  وإذا تأملنا بعين الحقائق لا نرى إلا أربعين مبعوثاً فقط من الأمة العربية وهم عبارة عن مليونين من أصل عشرين مليوناً[21], وعشرة ملايين من العناصر الأخرى لها في المجلس ما ينوف عن مائتي مبعوث.  ومن هنا يتضح بلا مراء بان العجز والكسل والتقصير لا يجوز إسنادها إلى النواب.

يبحث بعض الكتبة عن سابق مجد العرب ويرمون بإشاراتهم إلى غاية التخلص من الرق[22]. إذ الأمة العربية ينظر إليها بازدراء كأن أفرادها العبيد الأرقاء وغيرهم السادة الأمناء, وأن النواب - إذا دار البحث عن مسألة من شأنها أن تخدم اللغة العربية - تركوا المجلس أو ناموا أو امتنعوا عن التكلم شأنهم شأن كل مسألة قيل عنها أنها داعية للتفرقة, وكنت أود أن أضرب صفحاً عن هذا البحث خشية من عدم الإنصاف لأن آداب المناظرة[23] ويا للأسف تحولت  إلى أغراض وشخصيات تلتوي مع الغاية وتنتهي إلى مقاصد وحاجات في النفس.  ولكني لا أرى مندوحة عن الخوض في هذا الموضوع فأقول أنني أول من يفتخر بالقومية بل يفدي حياته بالحصول على ما من شأنه إعلاء قدرها[24] ولكن :

إن الفتى من يقول هاأنا ذا...... ليس الفتى من يقول كان أبي.

فيجب علينا أولاً أن نعلم أسباب انحطاطنا ونتلافى الدواعي التي أوصلتنا إلى الحضيض ونستكمل وسائل العرفان والرقي ونوجد بيننا الإخاء والمعاضدة ونترك الشحناء.  فنفتخر وقتئذ بحالتنا وحقوقنا التي نكتسبها بجدنا وبعد ذلك نقول أننا بلغنا سابق مجدنا واسترجعنا ما فقد منا.

ومن تصفح التاريخ وسبر غور الأمم الماضية يظهر له أن الأمة العربية الآن أحسن حالاً من ذي قبل, وليست هي الآن كما يزعمون كالعبيد والأرقاء وغيرها كالسادة الأمناء.  فالدولة الآن تنظر إلى الأكفاء من أفراد كل العناصر وقد سلمت زمام الحل والعقد لمن يستحق غير ناظرة إلى عنصره وقوميته, وأكبر برهان على ذلك محمود شوكت باشا[25] العربي وما فوض إليه من الوظائف الحياتية للدولة والأمة,  ويكفي هذا البرهان أسماء من دخل في الوظائف المهمة من أبناء العرب ومن سيدخل بحسب لياقته وأهليته .  فأين الرق والعبودية التي يشار إليها ونحن ولله الحمد في عصر الحرية وكل العناصر متساوية الحقوق .

 أما اللغة العربية فإنها لغة الدين التي تجمع السواد الأعظم من المسلمين كجسم واحد فإن العناصر الأخرى من أتراك وأكراد و أرناؤد[26] مضطرون إلى تعلم اللغة العربية فالقرآن الكريم كتابهم,  وصلواتهم وعبادتهم باللغة العربية,  ولسانهم كله عربي لم يبق فيه إلا النزر القليل من الروابط[27] وهي لا تزيد عن نسبة خمسة بالمائة.  فإذا كان الأمر كذلك وكان دوام اللغة العربية لساناً جامعاً للعناصر الأخرى متحتماً لا إمكان للاستغناء عنه فما الذي يدعو المبعوث العربي أن يتغاضى عن مذاكرة من شأنها خدمة اللغة العربية.  وهذه الملاحظات يمكن أن توجه إلى العناصر غير المسلمة فإن الدين عندهم كل بلسان قومه ومع ذلك فإن بين ظهرانينا من الأقوام غير المسلمة ملايين لغتهم العربية. فلغةَُ مأمونَُ دوامُها قد حفظها الله بكتابه الكريم وفيها كل التعاليم الدينية والصلوات والمناسك لا يلزمها إعلاء شأن من مبعوث وهي غنية بذاتها عن اهتمامه بها, أما التفرقة - التي يزعم المنتقدون أن المبعوثين يخشون الخوض فيما من شأنه البحث فيها - فترى أقلامهم تظهر رغبتهم بوقوعها في خلال لومهم وتفنيدهم, فلله الأمر من قبل ومن بعد.

حررت هذه السطور لحسابي فقط وليس لزملائي بها علم ولا اشتراك بالرأي, ولا أقصد بها إلا بسط الحقائق للأمة عما قرأته حتى الآن في بعض الجرائد التي خصصت أعمدتها سهاماً تستهدف بها أمناءَها تاركاً الحكم في ذلك لكل ذي لُبٍّ وإنصاف.  

أما السؤال الموجه لمبعوثي سورية بإمضاء سوري فإني - مع كوني غير مجبور لمجاوبته, حيث أن أعمال مجلس المبعوثين ( مشترك الرأي والوظيفة ) نقلتها الصحف وتناقلتها البرقيات - أبسُط له ( إتباعا لرغبته ولا ميال مشوقيه[28] ) ما تشبثتُ به في المجلس وما اشتغلت في الفصل الأول من انعقاده إجمالا بعد أن أقول أن أعضاء مجلس المبعوثين جميعاً لم يقرؤوا  قبل الانقلاب في كتابٍ كلمةَ مبعوث ولا قَدروا أن يلفظوا كلمة قانون أساسي وكانوا عرضة للنفي والموت إذا سُمع منهم أدنى ميل للانقلاب[29]. اشتغلوا[30] بجد واجتهاد وأظهروا للملأ قدرتهم على اقتحام المصاعب, ويكفيهم شرفاً أنهم في غضون ثلاثة الأيام التي قامت بها ثورة 31 مارت سنة 325 [31] كانوا يقصدون جلساتهم بينما كان رصاص البنادق يخترق نوافذ مجلسهم ويغوص في جدرانها.   وفي أول يوم من الثورة وهو اليوم الرهيب, عندما قُتل المرحوم الأمير محمد أرسلان.  كان المجلس معقوداً برئاسة مصطفى أفندي مبعوث حلب وعدد من الأعضاء خمسة وأربعون, منهم ثلاثون من مبعوثي البلاد العربية وكل مبعوثي سورية خصوصاً, وبالمجلس دفتر موقع عليه ممن حضر ولم ننقطع عن المجلس خلال ثلاثة الأيام المذكورة وكنا نواظب على الوظيفة وقتل من رفقائنا المرحوم الموما إليه[32]. وتكسرت أعضاء زميلنا رفعت بك أفندي مبعوث حلب وبقي نحو ثلاثة أشهر طريح الفراش, وحطمت بالحراب عجلة ( عربة ) أحمد باشا الزهير مبعوث البصرة وقتلت خيولها رمياً بالرصاص. وبالنظر لما شوهد من إقدام مبعوثي العرب على اقتحام الأهوال والقيام بباهر الأعمال انتُخب منهم للمجلس رئيسٌ في اجتماعات سان استفانوس[33], وكل ذلك يدل على عدم تهاون مبعوثي العرب.  ويكفي تقدير الدول الغربية هِمَمَ المبعوثين - كما جاء في جرائدها - وهي كما لا يخفى لا تنشر إلا الحقائق على أن المجلس صدَّق[34] على ماهو قريب من ستين قانوناً نظمتها اللجان المنعقدة في المبعوثين[35] وقوامها[36] من مبعوثي البلاد العربية وقدمتها للمجلس ليتناقش بها من لم ينتخب عضواً في اللجان ومع ذلك فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

(جوابي للسائل السوري ) (أورده مختصراً)

- قدمت ملاحظتي على سبع عشرة مادة من القانون الأساسي إلى لجنة تعديله, قُبل منها تسع كما هي, والثمانية عدلت بزيادة ونقصان.

- طلبت تعديل قانون انتخاب المبعوثين.

-  طلبت تعديل النظام الداخلي لمجلس المبعوثين.

- طلبت توحيد المسكوكات في أنحاء الدولة كلها.

- طلبت إخراج ماء اليمونة لسقيا أراضي بعلبك والاستفادة من نهر الليطاني في البقاع لزيادة واردات الدولة.

- عضدت رفقائي بإيضاح ضرر تلزيم الأعشار ولزوم إرجاع قاعدة التخميس .

- طلبت إحداث مكاتب ( مدارس ) سيارة لعشائر العربان الرحالة لتثقيف عقول الأطفال وأن يبدأ من ولايتنا.

- طلبت من لجنة الحربية تأليف تسعة توابير[37] من النظامية[38] في الفيلق الخامس لإكمال مرتبه[39] الحقيقي بدلاً من التوابير الباقية في الرومللي[40] وأُلحقت بالفيلق الثالث وذلك لتعزيز الأمن في البلاد السورية .

- طلبت من هذه اللجنة أيضاً إحداث مكتب يُخرَّج منه قوادٌ صغار كالجاويش وغيره على الأصول الجارية في دول أوروبا .

- كلفت هذه اللجنة أيضاً بلزوم وضع لائحة قانونية لاستعراض الجيوش الذي تقرر إجراؤه في العاصمة أن يجري كل سنة في ولاية من الولايات التي يجب إدخال الإصلاح إليها وتعزيز الأمن في ربوعها.

- اجتهدت - وأنا محرر المضبطة[41] ( رابوتور ) في لجنة الأشغال العمومية ( النافعة )-  بالاشتغال بالأمور المودوعة إليها[42], وكنت من أول المدة لآخرها تارة أرأس اللجنة المذكورة وتارة أقوم بتنظيم خلاصة أعمالها  وآرائها, وأقدمها مع بيان الأسباب الموجبة للمجلس وأعطي عنها الإيضاح   عند المناقشة بالهيئة العمومية. ووفقني الله لإبقاء المكتب الطبي بدمشق وزيادة مخصصاته بعد أن أصبح إقفاله من الأمور المبرمة.

- قدمت تقريراً مع زميلي سليمان أفندي طلبت به البيان من ناظر الداخلية عما أجراه من التدابير عندما اتهمت الجرائد جميع الولايات بالارتجاع[43] وصارت تحض الحكومة على إعلان الإدارة العرفية فيها.

- طلبت من المجلس تفسير المادة من القانون الأساسي التي تمنع اجتماع المأمورية مع المبعوث[44]: هل تشمل من لا يخصم عليه بالمائة خمسة لصندوق التقاعد مثل مأموري البلديات؟. وذهبت إلى فرنسا وانكلترا مع الهيئة المبعوثة وما كان من نتائج هذه المهمة الحسنة قد علمه الخاص والعام فلا حاجة للإسهاب.

هذا ما أجيب به السائل الآن عما تشبثت به وحدي, أما التقارير المشتركة والتكاليف أثناء المذاكرات فهي كثيرة لا حاجة لإيضاحها خوف حصول الملل, على أني كما يعلم الله قد قمت بما عهد لي حق القيام وضميري مرتاح من هذا القبيل فلا أبالي بلوم أو تنديد حصل ويحصل ممن لا يعرف الحقائق ولا يدري أنه لا يدري.

دمشق 24 اغستوس 325 –[45]

مبعوث سورية 

رشدي الشمعة


الهوامش

[1] - مقال بقلم رشدي الشمعة . قام بتنقيح المقال وشرح غريب ألفاظه الأستاذ محمد خالد الشمعة . أما الشرح التاريخي في الهوامش فهو للمحامي الأستاذ سامي الشمعة.
[2] - أرفض : ويقصد بها انتهاء المجلس من عقد اجتماعاته أو دورته النيابية.
[3] - الجامعة العربية : ويقصد بها مجموع الشعوب العربية.
[4] - الأُرمَّ: الأَضراس . ويقال :( فلان يحرُقُ عليك الأُرّمَ : يحكُّ أَضراسَه بعضها ببعض من الغيظ ).
[5] - المقصود هنا ( هذه الصحافة ).
[6] - اراشة سهام تنديده : ويقصد بها إطلاق السهام بحذر حتى لا تخطئ أهدافها.
[7] - آيْم الله : إحدى صيغ القسم بالله. وهو قسم همزته همزة وصل وتلفظ : (ويْم الله )
[8] - الدولة الشوروية : هي الدولة التي يقوم الحكم فيها على نظام الشورى.
[9] - اللواء : تقسيم إداري للمناطق الجغرافية ضمن الدولة. توازي التقسيمات المعمول بها الآن كالمحافظة أو الناحية .
[10] - تبعة الدولة : أتباع الدولة ورعيتها.
[11] - وهو يتحدث هنا عن أسلوب الانتخابات المبني على درجتين . فالناخبون ينتخبون منهم هيئة (معتمدي الأمة ) وهؤلاء ينتخبون من بينهم أعضاء مجلس المبعوثان.
[12] - ليصير تطبيقها : ليصار إلى تطبيقها.
[13] - حق صُراح : حق صريح .
[14] - طَلْع : مقدار . وطِلْع : باطن الأمر.
[15] - منتخبة من غيره : الهاء هنا تعود على المبعوث , ويقصد بالعبارة أنه تم اختيارها بالتعيين المباشر ولا دخل للنائب بتعيينها.
[16] - انتخابها : هنا جاءت بمعنى تعيينها .
[17] - الطًّرف : الناحية أو الجانب.
[18] - النكتة : الفكرة اللطيفة المؤثرة في النفس.
[19] - القطعة اليمانية : ولاية اليمن.
[20] - توحشها من الحكومة : يقصد بذلك انخفاض الرابط بينها وبين الحكومة المركزية.
[21] - عبارة عن : يقصد بها هنا أنهم يمثلون فقط ... الخ الجملة.
[22] - الرق : ويقصد بها هنا نظام العبودية . أي معاملة الدولة للعرب على أن عليهم الطاعة.
[23] - آداب المناظرة : أدب الحوار.
[24] - وهذا ما حصل لاحقاً حيث قدم النائب رشدي الشمعة حياته ثمناً في سبيل الدفاع عن مبادئه.
[25] - محمود شوكت باشا : عراقي ولد عام 1856م , تدرج في المناصب العسكرية والمدنية . ترفع في المناصب وأصبح رئيساً للوزراء  (الصدر الأعظم ) عام 1913م واغتيل بنفس العام.
[26] - أرناؤد: اسم يطلق على سكان ألبانيا (بلاد البلقان)  ويشيع لفظها الآن ( أرناؤوط ).
[27] - يفهم من السياق أن المقصود ما علق بلسانهم من لغتهم الأصلية, والله أعلم.
[28] - ولا ميال مشوقية : وردت هكذا في النص.
[29]- ويشير هنا إلى عدم قدرة هؤلاء النواب على التحدث عن أمور تتعلق بالحريات والعمل النيابي والدستور واحتمال تعرضهم للنفي إذا ما تبين تأيدهم لتلك المبادئ. وكلمة انقلاب هنا تعني الثورة .
[30] - أي أعضاء مجلس المبعوثين العرب.
[31] - تاريخ 31 مارت 1325 بالتقويم الشمسي العثماني ( الرومية ) ويوافق سنة 1327 هجري . والتاريخ الميلادي هو 13/04/ 1909م وفي هذا التاريخ جرت في اسطنبول أحداث دامية بين  جماعة الاتحاد والترقي وأنصار السلطان عبد الحميد وسادت الفوضى في ذلك اليوم.   
[32] - ويقصد هنا الأمير محمد أرسلان.
[33] - سان استفانوس : ضاحية تقع غرب اسطنبول , عقد فيها نواب المجلس اجتماعاتهم ريثما تستقر الأوضاع في اسطنبول.
[34] - صدًّق : صادق وأقر.
[35] - أي مجلس المبعوثين.
[36] - أي قوام اللجان.
[37] - توابير : أرتال . وتلفظ كذلك ( طوابير )
[38] - النظامية : ويقصد بها الجنود النظاميون أو المتطوعون .
[39] - مرتبه : تشكيله.
[40] - الرومللي : أرض الروم , وهي أراض الدول العثمانية الواقعة في أوروبا.
[41] - المضبطة : محضر الجلسات.
[42] - المودوعة اليها : أي المسندة إليها.
[43] - الارتجاع : ويقصد بها الرجعية.
[44] - المبعوث : النائب في مجلس المبعوثان.
[45] - تاريخ 24 اغستوس 1325 بالتقويم الشمسي العثماني ( الرومية )  ويوافق سنة 1327 هجري . والتاريخ الميلادي هو 06/09/1909م.

 
 
 
 
 
 
 
 
 


صورة رسمية لعضو مجلس المبعوثان
رشدي الشمعة

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 


صورة العدد الكامل لصحيفة
 المقتبس  المتضمنة للمقال الأصلي

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

تحميل المقال بشكل قابل للطباعة

 
 
 
 
 
 
 


صورة من افتتاح مجلس المبعوثان

 

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

ثلاث صورة للوفد البرلماني العثماني
 في لندن عام 1909م  خلال
الزيارة التي أشار إليها في المقال

 
 
 
 

سيرة الشهيد رشدي الشمعة

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

 

 

 

alchamaa.com © All Rights Reserved . 2002-2016