الصفحة الرئيسية | مقـدمة العمل | شـجرة الـعائلـة | الـدليل المهني | الـهيئة الإداريـة | إتـصل بنـا

شخصيات عائلية | لمحات تاريخية | قصص وأحداث | أرشيف العائلة | أخبار  عائلية

أهلا بكم في موقع عائلة آل الشمعة .. موقع ثقافي إجتماعي عائلي
 


 

الدكتورة ناديا خوست

 

 

 

القرآن الكريم
مؤلفات متنوعة
جناح الأطفال
الزاوية الصحية
دمشــقيات
دليل المـواقع
سجل الزوار


موجز تاريخ دمشق
قـلـعـة دمــشـق
سور و أبواب المدينة
معالم دمـشقيـة
لقطات من دمشق
العائلات الدمشقية
أرشيف الصور


 

من مواليد مدينة دمشق , تخرجت من جامعة دمشق ونالت الدكتوراه في الآداب من جامعة موسكو , اهتمت بحماية المدينة القديمة والبيوت التاريخية , عضو المكتب التنفيذي لإتحاد الكتاب العرب وأمينة تحرير مجلة الآداب الأجنبية ,عضو المكتب التنفيذي لرابطه خريجي المعاهد الروسية , عضو اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة ومناهضه المشروع الصهيوني.
لها خمس مجموعات قصصية , كتاب في النقد الأدب , كتابان عن المدينة القديمة , أربع روايات طويلة , وعدد كبير من المقالات الصحفية.

 

عودة

 


مقالة "بيت رشدي الشمعة" للكاتبة الدكتورة ناديا خوست نقلاً عن صحيفة تشرين السورية - زاوية أوراق ثقافية -  بتاريخ 6 حزيران 2001 م .

 

كنا ما زلنا في شهر أيار، الشهر الغني بالذكريات !.. أعدم فيه شهداء أيار!.. وعلى بعد يوم فقط بعد ثلاثة عقود احتلت إسرائيل بالقوة مدناً وقرى عربية فلسطينية.. لكننا فيه احتفلنا, في نهاية القرن العشرين، بهرب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان. وكنا، نحن الكتاب أول عرب زاروا المعتقلات المحررة، وأول عرب وقفوا على المطل الذي يجتمع فيه الجولان ولبنان بفلسطين.. وتفرجوا على لقاء بلاد الشام من خيمة عسكرية كان يرصدنا منها في قلعة الشقيف المحتلون الإسرائيليون المهزومون !.

ربما دفعتني روح ذلك الشهر إلى البحث عن بيت رشدي الشمعة، شهيد أيار!.. بيت كان يمتد من حي القنوات إلى حي باب السريجة وباب الجابية، ورثه عن أبيه وأمه. في صورة من تلك الصور القديمة المطبوعة على كرتون، يبدو مقطع صغير من البيت: بحرة واسعة أمامها مجموعة من الرجال الواقفين والنساء الجالسات. خلفهم نوافذ مرتفعة تكتفها عرائش وأزهار وأشجار. رجال ونساء متعلمون، في ذلك الوقت من الثلث الأول من القرن العشرين, منهم ابن رشدي الشمعة، وسط جنة بيئية صاغها المعماريون العرب !.

تبعت مع حفيدة شهيد أيار، خيط الذكريات إلى البيت. فنزلنا من حارة "التعديل" في حي القنوات.. هذه مدرسة حليمة السعدية التي زرناها مرة فوجدنا التلاميذ يجلسون مي قاعة مزخرفة يعلن مثلها متحفاً !.. إلى يميننا حارة تدخل إليها من قنطرة موشاة بعريشة خميسة ! ولكن أين البيت الذي كان يمتد بين القنوات وباب السريجة وباب الجابية ؟.. أين الباب الكبير الذي كان ينفتح على حديقة واسعة كبستان تصل منها إلى أرض الدار؟! مكانه جدار مرتفع خلفه مدرسة ضخمة، من الاسمنت, والى جانبها مقطع آخر من بيت شهيد أيار: مرآب، براميل القمامة ! .. فيا للتكريم الذي قدمته محافظة مدينة لشهيد كبير ؟!.. سألت الرجل المشرف على مرآب القمامة: أين بيت رشدي الشمعة ؟.. فاعتذر وهو يغسل يديه: من هنا يتناول الزبالون البراميل ويطوفون بها ثم يعيدونها إلى مرآب القمامة. أما بيت رشدي الشمعة فلم أسمع به !.
تركنا الطريق لنلتف من باب السريجة حول مقطع تراءى لنا من بقية قصر الأمس: بيت عربي مهمل خلف أشجار كينا باسقة. عبرنا ساحة, ودخلنا إلى حارة من بيوت عربية قديمة اقتحمها بناء حديث. هنا لا تزال الذاكرة حية في العمارة ! أكد لنا رجل من سكان الحي: نعم أعرف بيت رشدي الشمعة ! هذه بقية منه ! وأشار إلى الساحة التي عبرنا منها فقال: اقتطعت هذه الساحة من البيت. واقتطع منه جزء أخر، أستملك لتبنى فيه مدرسة. ومنه اقتطع ما سمي ملجأ وأصبح فيه مجمع براميل قمامة ! ... بقي من بيت رشدي الشمعة هذا المقطع الصغير الذي يرتعش سكانه كلما طرق الباب. فهم بين مجموعة من الورثة قد يكون لهم حق في بقية البيت، وبين محافظة ترفع سيفها البتار على الأحياء القديمة، وقد خصت باهتمامها بيت شهيد أيار!.
بقي بيت شهيد أيار، إذاً, في الذكريات فقط ! فاستعدناه من أفراد أسرة الشمعة الذين عاشوا فيه. كان البيت قصراً عربياً كقصور الأندلس, يمتد بين ثلاثة أحياء. تتقدمه حديقة شاسعة، في وسطها البيت الرئيس, وحوله خمسة بيوت للأسرة. ظن أحد الحجاج العائدين بابه الكبير نُزلا فطلب من البستاني أن يبيت فيه. استضافه صاحب البيت دون أن يعلن له انه أحمد باشا الشمعة/ أبو رشدي الشمعة / صب الماء على يديه, وقدم له الطعام، واحتفى به، حتى خيل للرجل انه في نُزل.. فمد يده إلى عبه ليدفع أجر إقامته ! واكتفى صاحب البيت بالسمعة الحسنة
التي تشترط التواضع والكرم والدماثة والعطف على الغرباء... واستمر البيت في تقاليده: فنزل فيه أهل كفرسوسة الذين قصفت بيوتهم أيام الثورة السورية .
تذكر الكتب أن غليوم إمبراطور ألمانيا نزل في دمشق القديمة يوم دعاه السلطان عبد الحميد. كان بيت رشدي الشمعة أحد البيوت التي زارها. توقع صاحب البيت ذلك فشيد وسط حديقته غرفة طعام واسعة خاصة لاستقبال الإمبراطور ومرافقيه. استقدم لها ثريا من كريستال بوهيميا. ما زال يذكر هؤلاء الأحفاد بريقها, ويتذكرون أنهم كانوا يرمونها لينزلوا قطعة من الكريستال يتأملون الضوء من خلالها!.. فأستمع إلى ذلك دون أن تضع كفك على قلبك متسائلاً كلم من كنوزنا ضاعت دون أن ندرك قيمتها: كانت تلك الأيام لا تزال معبأة بثروات حضارة عظيمة استمرت الأجيال قرونا في الحياة على بقاياها: ألم يتحدث أهلنا عن الخوابي المملوءة بالذهب التي تفاجئ فلاحاً يحرث الأرض أو رجلا يبني بيتاً.؟ .. ألم يفاجأ الذين هدموا بيت رشدي الشمعة بما يسمى " كنزاً " فأحيط المكان بالحراسة ومنع الناس من الاقتراب منه حتى رحلت الآثار!.. وكأن بين الحضارة القديمة وبين عصرنا جسرا من الذهب يذكّر بأن أساطير تلك الحضارة حقيقة حية ! ولكن هل نستطيع أن نستمر في التبذير كمن يغرف من ثروة لا تنفد !!.
بقيت الحديقة، التي شيدت في وسطها قاعة الطعام للإمبراطور غليوم, ملأى بأشجار النارنج حتى اليوم الذي استملك فيه البيت لتشيد مكانه مدرسة كان يمكن أن تشيد في أي مكان آخر!!.. ولاشك في أن قاعة الطعام سحرت الإمبراطور بطرازها العربي, وبغابة من شجر النارنج حولها! كان هرتزل وقتذاك يقتفي
خطوات الإمبراطور غليوم ليلتقيه وليقنعه بأن يسند لدى السلطان عبد الحميد مشروع الوطن الصهيوني في فلسطين. واستطاع الاجتماع به في القدس. واقترح عليه أن يزور مستوطنة صهيونية ليتفرج على " ما يبدعه " المستوطنون اليهود في فلسطين ! ألم تكن حديقة رشدي الشمعة وبيته، إذاً، ذات دور في الإشارة إلى صناع الحضارة الحقيقيين, أهل البلاد, أصحاب الأشجار الوارفة ؟ ألم يبق في ذاكرة الإمبراطور عبق زهرة النارنج أو لون ثماره المحتشدة حول قاعة الطعام والبحرة المرسومة بالرخام ! وهل كان يمكنه أن يتجاهل هوية عريقة بدت له واضحة في كل خطوة من خطواته في بلاد الشام ؟!.
تنسج العمارة بخيوط إنسانية ! فهنا كانت الجدة تطل من نافذة العلوي على الحديقة, مستمتعة بعريشة الليلك. ومن هنا تتراءى لها أشجار الحديقة الرئيسية: أشجار المشمش الهندي, وشجرة برتقال حامضة الثمار، وأشجار جانرك... تعد لنا الشاهدة من أسرة الشمعة أشجار طفولتها وصباها فماذا نحصي معها ؟ وهل تحسب شجيرات الورد ؟ ألم تكن المزهريات تملأ من ورد مقطوف من ارض الدار ؟ ألم تكن قناني الشراب تحضر من ليمون البيت ؟ ألم يكن مربى النارج والكباد من أشجار ارض الدار؟ ألم توزع عناقيد عرائش العنب على الأهل والجيران ؟ وهل خلا بيت من شجرة رمان تبهج بزهرها وعقيقها ؟ أليست حدائق القصور العربية الأندلسية تبهر السياح اليوم بما يسميه الأدلاء " بستان البرتقال " ؟! .
كتب أهل دمشق على شاهدة ضريح رشدي الشمعة: " شهيد الأمة العربية "! متحدين الدونمة الذين أعدموه ونفوا أسرته إلى الأناضول. مع ذلك بدا لي رشدي الشمعة مطارداً بعد شنقه في السادس من أيار! طارده من تبنى ملاحقة أثره وذكراه في بيته, فهدمه ! وقد يكون محا آثار بقية شهداء أيار ورجال الثورة السورية ! .
ألم يكد يهدم البيت الذي خرج منه يوسف العظمة إلى ميسلون ؟! ألم يهدم فندق فيكتوريا وهو سجل تاريخي من سجلات تاريخنا الحديث ؟ا.
كفل مخطط إيكوشار محو الذاكرة الوطنية والهوية الوطنية, واندفع في تعريبه وتنفيذه تجار العقارات والفنيون المدافعون عنهم في محافظة المدينة ! كأن التاريخ الوطني أوراق فقط في كتاب, لا خطوات ومواقف تعيش في بيوت وحارات وأحياء!.
بعد العودة من تلك الجولة المحزنة , تذكرت اللوحات التي تطرز المدن الغربية والشرقية : هنا عاش ... هنا جلس ... هنا كتب ... هنا مر ... مسجّلةً للمدن عمقاً تاريخياً وإنسانياً, بشخصيات وأحداث وطنية وأدبية, برجال عاديين أطلقوا من شارع أو جسر طلقة على المحتل فأضافهم شعبهم إلى ذاكرته الوطنية. تذكرت دفاع سكان ساحة الفوج في باريس عن أشجارهم التي رأت بلدية باريس أن تقطعها فاضطرت إلى عرض الشرائح المريضة عليهم في الساحة نفسها وإلى غرس مكان الأشجار المريضة أخرى باسقة ! ... وتذكرت بيت فيكتور هوغو هناك !.
ترى ألم يكن رشدي الشمعة , شهيد أيار , يستحق لوحة توضع على جدار بيته فتبقيه مُجسداً في الذاكرة, وتُغني به وطناً ومدينة ؟!... ألم يكن قصره يستحق أن يحمى كأثر معماري ثمين وغني بذاكرة تاريخية, يعرض المناخ الذي عاش فيه رجل من طلائع حركة التحرر الوطني العربية ؟!... ألم يكن ليجذب السياح بمرور غليوم فيه ويستبقي لهم وللحي حديقة كالغابة تهبُ الهواء والرطوبة ؟!... ألم يكن يعرض مدينة عظيمة جميلة ويضيف جمالاً إلى المدينة بدلاً من هذا القبح الذي شيد مكانه ؟! بقي البيت سليماً حتى هدم لتشيد مكانه مدرسة ! ... وكان يمكن أن يبقى حتى اليوم, فالعمارة تستبقى مهما تغيرت وظائفها. وما كان أحد ليغضب لو أستملك بيت رشدي الشمعة ليصبح مزاراً أو متحفاً أو نُزلاً للضيوف والوفود الرفيعة, كقصور الأندلس التي ينزل فيها الضيوف المكرمون !.

من نفذ هدم قصر جميل لا يجوز هدمه معمارياً, ولا يجوز هدمه تاريخياً ووطنياً ؟! من رآه مساحة من أرض فقط تناسب بناء مدرسة ومرآب قمامة وساحة عامة ؟! ونحن في زمن يقاتل فيه المحتلون الإسرائيليون على حجر صغير يتمنون أن يسجل لهم عمقاً تاريخياً ! والصراع بيننا وبينهم أيضاً على هوية القرى والمدن التي يحتلونها وعلى هوية القدس !.

يفترض ذلك أن المدينة مسألة وطنية لا مسألة عقارية, لا يسمح ببحثها إلا للمنزهين أخلاقياً وللمؤهلين علمياً وثقافياً ! ويفترض أن يبعد مصيرها عن أيدي العقاريين الأميين والموظفين الصغار ! ... ولذلك نتمنى أن يحاسب كل من يمس ذاكرة الوطن, كيلا نستمر في بعثرتها بحجج متنوعة تستر المصالح الشخصية العقارية ! ... وكيلا يوجد من يجسر على اتهام التراث الوطني المعماري بأنه جاهلية ! وما أعجب أن يجمع العقاريون صور البيوت التي هدموها في حارة العبيد, مثلاً ليؤكدوا ضرورة هدم ما تبقى من الحي, كأنهم يفخرون بما دمروه خلال اجتماع مجلس الشعب ليلة أقر الحماية, ولا يجمعون الدليل على إدانة جريمة !.
فقدنا الكثير من تراثنا الثمين, حضن ذاكرة الأمة ! وكيلا نفقد المزيد منه يجب أن تحمى أحياؤنا العربية كلها في جميع المدن السورية ... لتبقى لنا إمكانية البحث عن الذاكرة المهملة ... ولتبقى لنا هوية !


 

عودة

 

مقالة " السادس من أيار" للكاتبة الدكتورة ناديا خوست نقلاً عن صحيفة تشرين السورية - زاوية آفاق - بتاريخ 28 نيسان 2003 م .


اكتشفت إحدى حفيدات شهيد أيار رشدي الشمعة، مكتبته الثمينة. والمكتبة تكشف صاحبها، وتحمل أثر يديه وذوقه واختياره. وماأغرب أن يذهب الحيّ وتبقى أشياؤه وكأنما الأطياف تؤنس الأحياء! ‏

كان رشدي الشمعة، مثل رفاقه من شهداء أيار، مثقفا متنورا، قدّر مكانة المسرح وأفاد منه في المقاومة الوطنية. فكتب مسرحيات بأسماء مستعارة، استلهمت التاريخ العربي. ولعل من تلك المسرحيات طارق بن زياد التي كتبت عنها الدوريات السورية يومذاك، وحضرها الرعيل من رجال النهضة، وخصص ريعها لغرف القراءة المنتشرة في أنحاء دمشق. كان المسرح يومذاك مركزا من مراكز النهضة الفكرية والدعوة الوطنية. فعرف مسرح زهرة دمشق في ساحة المرجة، مثلا، عروضا قدمها جورج أبيض وسلامة حجازي. ولو استعدنا تلك الأيام لأدهشنا توهج الحركة الثقافية. فالمحاضرات كانت تلقى في النادي العربي، والمدارس تفتتح للإناث وللذكور، والمسابقات تعلن لدار المعلمات، والتحف تجمع من البيوت لتأسيس متحف وطني. ومعهد الطب الأول من المعاهد العلمية المتقدمة التي دافع عنها شهداء أيار. كان الحلم بالحرية والاستقلال يواكب مشروع التفتح الثقافي الذي حمله رجال أيار المختصون في أرقى المعاهد العالمية.

 

سحق إعدامهم ذلك التوهج الثقافي والسياسي في بلاد الشام يومذاك، واستبعد الرعيل الأول من الرجال المؤهلين لإدارة الوطن. وأطلق الإرهاب وأغرقت البلاد في مآسي الحرب. ‏

نفيت أسر شهداء أيار وصودرت أملاكهم. لكن دمشق غنت لهم، بالرغم من الإرهاب، أهزوجة لاتزال تغنى ولو نسينا أصلها: "زينوا شامنا.. وشامنا فرجة وهي مزينة". ونقشت أضرحة شهداء أيار فكانت هي أيضا فرجة. كان ذلك رد مدينة على جمال السفاح الذي اتهم الشهداء بالخيانة. كُتب مثلا على ضريح رشدي الشمعة: "شهيد الأمة العربية". وحُفرت قصائد متنوعة على الأضرحة تثني على وطنية الشهداء. ‏

في سنة ماضية بحثنا عن تلك الأضرحة وزرناها كمجموعة من الكتاب والفنانين يحيون ذكرى شهداء أيار. وأطللنا على الجيل الشجاع الذي حملهم إلى المقبرة، بالرغم من المحكمة العرفية التي هددت المنحازين إليهم بالموت، ونقش لهم أضرحة تليق بهم. أحزننا يومذاك أن قبر شكري العسلي خرّب كي يدفن فيه ابنه. وتساءلنا هل يجوز استخدام أضرحة الشهداء كقبور شخصية عادية. ‏

وجدنا يومذاك بعض تلك الأضرحة، بعد بحث. وتمنينا أن توضع لوحات على جدار المقبرة الخارجي تبين من يثوي فيها من رجال الوطن. فينفذ قرار مجلس المحافظة في التسعينيات: أن تزنر المقابر بأسماء من فيها من الشهداء والعلماء. وقد كشفت لي جولات البحث بين القبور يومذاك عن أضرحة المدافعين عن الأرض السورية في عدوان إسرائيلي، وغيرهم ممن يستحق أن يعلن اسمه على الجدار الخارجي. ‏

بعد زيارة الأضرحة يومذاك زرنا المكان الذي أعدموا فيه في المرجة. وتبينا غياب اسم رشدي الشمعة من الحجر الذي يذكّر بهم. حفر مكانه اسم شهيد آخر ممن أعدموا في بيروت. ومايزال الخطأ حتى اليوم قائما! ‏

بعد ذلك زرنا بقايا بيت رشدي الشمعة في القنوات، وهو بيت أبيه أحمد باشا الذي استضاف الامبراطور غليوم. ويتبين من يفحص المخطط القديم أن القصر كان وسط حدائق وفناءات تؤهله لتوظيف متميز وسط ذلك الحي القديم! لكننا وجدنا أن استملاك الأبنية المدرسية هدمه وشيد مكانه بناء اسمنتيا بشعا. فأذهلنا العقل المتخلف الذي لم يقرأ التاريخ في العمارة، فلم يقدر مشروعا لمثل ذلك القصر، غير الهدم! فدمر الذاكرة المعمارية والتاريخية والوطنية. ‏

أوصلنا الخيط إلى الأسر التي تحتفظ بوثائق تاريخية مهمة. فرأينا هوية أحد شهداء أيار في مجلس المبعوثين. وكان وارثها قلقا عليها، لأن أولاده قد لايقدرونها. حرّض ذلك البحث شابا من أحفاد رشدي الشمعة، فجمع من أقربائه صور الثروة التاريخية التي يخزنونها. وقدم لي مصنفين يتقصيان الأسرة التي عاش فيها شهيد أيار، صور وسام أبيه وملابسه الرسمية، وصور القصر الذي هدم في القنوات. صور تاريخية، وصور أشياء ثمينة تجسد زمنا ومكانا، وتحتاج المشروع الملائم الذي يثبت مزارا حيا للسادس من أيار. ‏

من تلك الصور صورة البيت الذي كان يكتب فيه رشدي الشمعة مسرحياته. ومازال قائما، بالرغم من سرقة نوافذه وأبوابه. يطل على دمر، حيث كانت البيوت الصيفية لأسر دمشق الكبيرة، ومنها بيت الأمير عمر الجزائري، شهيد أيار الذي لم نجد ضريحه بعد. وقد صادره جمال باشا بعد إعدام صاحبه وجعله كمستوصف للضباط. صورنا ذات يوم ذلك البيت الجميل وكان اسم عمر الجزائري مرسوما بالقيشاني في مدخله. ثم حجب البيت عن المارة ولاندري مصيره. وكان يمكن أن يحمى بمشروع. ‏

لدى أسرة رشدي الشمعة الآن بيته في دمر، ولديهم مكتبته، وأوسمة أبيه الذي كان ذا دور في الحياة السياسية السورية، وصور وملابس عنيت بها الأسرة وحفظتها. وهي ممتلكات شخصية لأصحابها. لكننا نثق بأنهم سيقدمونها إذا وجدوا مشروعا ثقافيا يثبت هذا البيت لشهداء أيار، ويجمع فيه آثارهم وصورهم ووثائقهم وماكتب عنهم، وتلحق به مكتبة يمكن أن تجمع الوثائق بحملة تبرعات. فيكون كمتحف تشرف عليه وزارة السياحة مع أسرته، وترممه مؤسسة ذات خبرة علمية بالترميم. ولانشك في أن المشروع، إذا اعتمد، يمكن أن يجد التمويل المتواضع. فالمشاريع المخلصة تحتاج الذوق والبساطة لاتبذير المال في الديكور والبهرجة! ونثق بأن مثل هذا المشروع يمكن أن يقوم بعمل تطوعي لابلجان ذات رواتب وموازنات! ‏

في العالم متاحف كثيرة لأفراد أو أسر أو أزمنة تاريخية. ويباح أحيانا لملاكي القصور أن يستقبلوا الزوار ببطاقة تعتمدها لهم المتاحف الرسمية كي ينفقوا على ترميمها وحمايتها. السبل كثيرة إلى الحماية. لأن الهدف النبيل، الثقافي والوطني، ألا تهدر الذاكرة التاريخية والشواهد الحية. ولاشك في أن تحقيق مثل هذا المشروع سيشجع أسرا كثيرة وأفرادا على كشف مالديهم من وثائق، إذا آمنوا بأنها ستعرض في المكان الذي يستحقها وستكون في أمان. ‏

يجدّد السادس من أيار هذه السنة وحدة المقاومة العربية. فقد اجتمع آلاف الشهداء الفلسطينيين والعراقيين في مقاومة العدوان والحرب، واستشهد مئات المتطوعين العرب في أنحاء العراق دفاعا عنه. قاوموا هم أيضا، مشروعا استعماريا يتداخل فيه المشروع الصهيوني. وحدث ذلك، أيضا، خلال رسم خرائط جديدة للمنطقة العربية. ألا يستحق هذا الرمز الحفاوة به؟ ‏

نتمنى أن تحمى أضرحة شهداء أيار كما هي، دون مشاريع تزيين تغيّرها وتشوّهها، وأن تسجل في سجلات المقبرة على الأقل! نتمنى أن يحمى مابقي من آثارهم، بمساعدة أسرهم! ويقع هذا في ضرورة الحفاظ على الذاكرة الوطنية والتاريخية التي يشترط الاحتلال الجديد محوها وتدميرها! ‏


 

عودة

 

 

مقالة " شهداء أيار" للكاتبة الدكتورة ناديا خوست نقلاً عن صحيفة تشرين السورية - زاوية آفاق - بتاريخ 8 أيار 2004 م .

 

كُتب على شاهدة ضريح رشدي الشمعة، الذي لم تسجل محافظة دمشق اسمه في ساحة الشهداء حتى اليوم، «شهيد الأمة العربية». وعبّر ذلك عن شهداء أيار الذين كانوا طليعة مبكرة، واجهة أمة، مثقفين متنورين، كتابا وشعراء وصحفيين، من هواة اللغة العربية وذواقتها، درسوا في أرقى المعاهد الغربية والعثمانية، لم يجنوا المال من مراكزهم بل أنفقوا أموالهم في العمل السياسي الوطني، وعوا المشروع الصهيوني لاحتلال فلسطين وقاوموه، ولذلك توجسوا من اقتسام الدولة العثمانية مخمنين أن فلسطين ستقتطع وقتذاك للمستوطنين الصهيونيين. بدؤوا من وحدة بلاد الشام، وأكدوا تلك الوحدة بمصيرهم الذي جمع على المشانق في دمشق وبيروت رجالا من أنحائها ومنها فلسطين. يستطيع المؤرخون اليوم أن يصنفوهم في مرحلة تقدمها ممثلو البورجوازية الوطنية، وأن يشبهوهم برجال الثورة الفرنسية، وبالديسمبريين في روسيا. شرط أن يضيفوا إلى ذلك أنهم كانوا من أوائل ضحايا الصهيونية.
تحدى معاصروهم يومذاك حكم الإعدام عليهم، فألّفوا الأهزوجة المعروفة «زيّنوا شامنا». ونحتوا لهم أضرحة من الحجر رفعوا عليها شاهدات عالية، نقشوا فيها شعرا ونثرا فريدا يثبّت أنهم تحدوا الموت وقبلوه دفاعا عن الأمة العربية. وقد بقيت أرتال الأجيال تغطيهم بالزهر حتى زمننا. فلماذا غابوا وفقدوا زوارهم منا؟ ألأن أرتال الشهداء كثيرة بعدهم ومايزال العرب يقدمونها في بغداد وفلسطين؟ استبقينا رمزهم في حياتنا. لكننا لم نرث زيارتهم، كأننا انصرفنا إلى مجرداتنا. وماأخف التاريخ عندما يصبح صورة تعلق على جدار فلا تكلفنا خطوة! وكان يفترض أن تعيدنا إليهم الرموز الجديدة التي يجتمع فيها شهداء فلسطين والفلوجة والنجف ويجسدون وحدة المقاومة العربية التي تواجه الصهيونية!
‏ ‏ يوم بحثنا عن تلك الأضرحة غبنا في المقابر شهرا، واكتشفنا خلال ذلك أضرحة شهداء اعتداء إسرائيلي على المخافر السورية في طبرية. وعندما جلسنا إلى الحاسوب في مقبرة الباب الصغير الذي يفترض أنه يسجل أسماء نزلاء القبور ومواقعها، كي يمنع على الأقل سرقتها، لم نجد لشهداء أيار أثرا! مع أن القبور كانت مرقمة! ثم اهتدينا إلى بعضها بفضل القرابة بين الأسر الدمشقية.‏ ‏ زرناها يومذاك كمجموعة من المثقفين لايملكون غير سلطة معنوية توهم بأنها قادرة على حماية الشواهد الوطنية التي لايجوز أن تباع أو تهمل أو ينظر إليها كملكية شخصية. ولذلك ساءنا أن يدفن ابن شكري العسلي، مناهض الصهيونية الكبير، في قبر أبيه فيشوه القبر ويجعله أكثر قبور شهداء أيار تواضعا! في هذه السنة عرفنا أن ضريح الأمير عمر الجزائري، ابن عبد القادر الجزائري، الذي كنا نبحث عنه، سرق ودثر! فقد سرقت شواهد قبور أسرة الجزائري وبعض أضرحتهم ومنها أيضا ضريح الأمير عز الدين الجزائري، شهيد الثورة السورية الكبير وآخر من أطلق رصاصة فيها. مع أن قبور أسرة الجزائري تقع ضمن سور. وقد قيل للأميرة بديعة، حفيدة عبد القادر الجزائري، عندما اشتكت من سرقة قبر أبيها: راح، فانصرفي إلى مابقي! وكانت ترمم السور كل مرة فيثقب مرة أخرى!‏ ‏
كرم الوطن شهداء أيار بأنه نسب إليهم جميع الشهداء الذين لحقوهم خلال الصراع العربي الصهيوني. وثبّت بذلك أنهم طليعة الشهداء العرب في ذلك الصراع. فأصبح يوم السادس من أيار يوم الشهداء. لكن حماية الذاكرة العامة تستلزم ردع من ينظم سرقة الأضرحة ويبيعها، ويتاجر بالذاكرة في هذه المساحة أيضا. فثمن القبر في زوايا مقبرة الدحداح البعيدة مئتا ألف ليرة!‏
تستلزم حماية تلك الأضرحة تنظيم زيارات إليها، تعرّف الشباب والطلاب بها، وتنشر الوعي بأن الوطن نسيج مجسد من أرض وشجر وأبنية تاريخية وهوية معمارية. وتجعل الناس حراس المعايير التي تؤدب من يسلب الأوطان ذلك الغنى الذي تشيده أجيال طويلة. أليس الفرق بين المدينة العربية والمستوطنة الصهيونية أن هذه تشبه المنتجع السياحي المقتطع من أرض عربية خصبة، بينما تتميز المدينة العربية بعمقها التاريخي، بما فيها من ثروات معمارية وأضرحة ملوك وأمراء ومقاومين وعلماء ومؤرخين وشهداء، شواهد على استمرار تاريخي لم ينقطع قط؟‏ ‏
ينتبه بعض أحفاد شهداء أيار اليوم إلى قيمة الذاكرة الوطنية. فيجمعون بجهد شخصي وثائق أسرهم، ويرصدون البيئة التي نشؤوا فيها، فيقدمون في الوقت نفسه صورة مجتمع ووضع وأفكار. وقد جمع آل الشمعة بعض تلك الوثائق والصور الفريدة ومنها صورة البيت الذي عاش فيه شهيد أيار في القنوات. وجمعت حفيدة عبد القادر الجزائري وثائق أخرى عن جدها وأسرتها.‏ ‏
كان يفترض أن تحمى بيوت شهداء أيار وتوضع لوحات عليها تذكر المارين بها. وقد ذكرنا أن بيت الشهيد رشدي الشمعة هدم باسم استملاك الأبنية المدرسية. وكان ذلك البيت قصرا فيه عدة حدائق منها حديقة النارنج، وأرض دار واسعة، وكان يجمع عدة بيوت عربية ويمتد من حارة إلى أخرى. وقد دعي إلى الغداء فيه امبراطور ألمانيا غليوم. فأساء هدمه إلى الذاكرة الوطنية وأفقد دمشق ثروة!‏ ‏
يعرف بعضنا بيت عمر الجزائري في دمر وكان القاشاني يتصدره. وقد صودر البيت بعد إعدام الأمير عمر فترة من الزمن. وفي سنة 84 حشدت فيه سامية المدرس اللاجئين وغيرهم. وقد استملك منذ عقد ونصف تقريبا. إلى جانبه يقع بيت رشدي الشمعة الصيفي، ولعل الشهيد كان فيه يؤلف مسرحياته الوطنية التي عرضتها مسارح دمشق بأسماء مستعارة. وقد استملك هذا البيت أيضا. لكن البيتين لم يرمما، وعانيا من سرقة أجزاء منهما. فكم كان من المناسب الاحتفال بهما كمتحفين لشهداء أيار ولذلك المنعطف من التاريخ الذي رسم خرائط جديدة جرفت دولة شرقية وربطت أجزاءها بالغرب ووضعت فيها كيانا غريبا عنصريا. كما أنهما يذكران بمخطط المدينة الذي كانت فيه للأسر الدمشقية المعروفة بيوت في دمر يمضون فيها الصيف.‏ ‏
يذهل ماتحتويه بيوت أسر شهداء أيار من شواهد قيمة. وقد رأينا صور الأوسمة الثمينة، والملابس الرسمية الجميلة القديمة، وهوية أحد شهداء أيار المندوب في مجلس المبعوثان، وكتبا تركية مطبوعة بالحروف العربية تعبر بموضوعاتها عن هوية ثقافية. ونعتقد أن تلك الأسر ستقدم مالديها لو كرس بيت الشمعة وبيت الجزائري لذلك. فشعر أصحابها بأنها ستكون في أمان فيهما أكثر مما هي لديهم. وقد شكا أحدهم من قلقه لأن أولاده لايقدرون مافي بيته من تلك الشواهد.‏ ‏
نتساءل لماذا لاتنتبه المشاريع إلى هذا الاتجاه بل تجري عكسه؟ فنرى الحماسة لتشويه الأبنية التاريخية وغرس مخازن عادية يشيد مثلها في أي مكان، كما هو الحال في مشروع محطة الحجاز التجاري؟ لماذا تبدو الاستثمارات في شكل مخازن وسلع ولايخطر للساهرين على تلك المشاريع التجارية أن حماية الذاكرة الوطنية والتاريخية استثمار وطني سياحي مستمر في الحاضر والمستقبل؟!‏ ‏
زارتني منذ أيام صحفية ألمانية مهتمة بالشرق، عبّرت عن ذهولها مما رأته حول محطة الحجاز التاريخية التي ماأكثر ماسافر شهداء أيار منها. وأدهشها أن نجهل المعايير العالمية التي تفرض حماية البنية التاريخية وتضبط الإنشاءات حولها. قالت: هل تظنون أننا نأتي إلى بلادكم كي نرى منشآت تجارية ومخازن معاصرة، أم لنتأمل هويتكم وعمارتكم التاريخية التي لامثيل لها عندنا؟ فأكد كلامها تطابق الرأي العام السوري مع المعاصرة ومع المعايير العالمية، وغربة المشروع التجاري الأميّ عنها. تساءلت الصحفية أيمكن أن يستخف المال إلى هذا الحد بالتاريخ، وأن يجهل إلى هذا الحد المعاصرة الحقيقية؟ لديكم ثروة قيمة لكن يبدو أن من يديرها جاهل بالخبرة العالمية في تطوير المحطات القديمة، مع أنكم تقولون إن سبب تلك الإنشاءات الانفتاح على العالم. هذا ليس انفتاحا بل هذا تدمير هويتكم وتاريخكم، وعرض للجهل بما يعتمد في الدنيا!‏ ‏
حملت السكة الحديدية الحجازية التي تحدثت عنها الصحفية الألمانية شهداء أيار من عاليه إلى دمشق. وتبعهم على السكة نفسها المتطوعون الذين استشهد كثير منهم في ميسلون. وقد ثبتت المحافظة ذات يوم إشارة إلى اولئك المتطوعين على بناء المحطة فانتزعتها الإدارة الجديدة منها. ترى هل يستطيع الشهداء أن يفرضوا حماية الأمكنة التي تركوا فيها خطوات الذاكرة العامة، أم سيكون المال والربح الفج هو الأقوى؟ هل سيفرض الرأي العام حماية أضرحتهم ومابقي من بيوتهم وأشيائهم، ويحمي من المشروع التجاري محطة الحجاز التي عرفوها وألفوها؟ أم سيكون الاندفاع إلى هدم التاريخ في سبيل المال هو الأقوى؟‏‏


 

عودة

 

 

 مقالة "سجل التاريخ" للكاتبة الدكتورة ناديا خوست نقلاً عن صحيفة تشرين السورية - زاوية آفاق - بتاريخ 5 حزيران 2004 م .

 

منذ سنوات بحثت عن اضرحة شهداء السادس من ايار كانت القبور كلها، ومنها اضرحتهم، قد رقمت، تنفيذاً لقرار من مجلس المحافظة يلزم بتسجيل القبور في سجلات واضحة تحميها من السرقة. جلست الى الحاسوب في مكاتب مقبرة الباب الصغير. وكان بطيئاً متخلفاً. ومع ذلك لم يفدنا الصبر، فلم نجد يومذاك اثراً لشهداء ايار. وبدت تلك الطريقة في تنفيذ قرار مجلس المحافظة واسعة الذمة تستبقي الرقم وتحذف صاحبه!
استبعدنا تكنولوجيا الاتصالات ولجأنا الى العلاقات الشخصية والبحث الميداني فوصلنا الى ما بقي منهم. وفي السياق عبرنا شهداء الثورة السورية كحسن الخراط، وكتابا وشعراء قدماء ومعاصرين، وضباطاً قتلوا خلال عدوان اسرائيلي على مخافرنا في طبرية وشخصيات عثمانية وبدت مقبرة الباب الصغير سجلاً مهماً من سجلات المدينة يفترض ان ترتب كمعرض تاريخي ثقافي.‏ ‏
زرتها عشية السادس من ايار لأتفقد أضرحة الشهداء قبل يوم الاحتفال بهم. ألا يفترض ان نحضرها لتلك المناسبة السنوية؟! وكأنما حدث زلزال غير معالمها! يضع الحي هويته في جيبه، لكن الميت يعلن هويته بشاهدة القبر. فاين هي؟ قصدت ان اسأل عن قيد عبد الوهاب الانكليزي. فاشار الرجل الى قبر بعيد: هناك! ولم يكن ذاك قبره بل قبر امرأة! وجدت فتات الشاهدة التي كانت عالية منقوشة بالشعر، وتبينت في الفتات بعض الكلمات التي سجلتها منذ سنين. وكان مطلع القصيدة: الا في سبيل العرب ندبا قضى صبرا، شهيدا.. وكانت شاهدة عبد الحميد الزهراوي سليمة، كسرت في السابق ورممها الدكتور عدنان البني. ومازال الشعر المنقوش عليها يعلن ان صاحب القبر شهيد: «قد باع بالوطن المقدس نفسه واستعذب الموت الزؤام ولم يخف». لكن مقابل الشاهدة نبت «القريص» وتراكمت الاوساخ واكياس النايلون، ولا يستبعد ان تختبئ فيها افعى وعقرب.‏ ‏
كانت شاهدات اضرحة الشهداء كلها قد سجلت ان اصحابها قضوا دفاعاً عن الوطن. وبذلك النقش من الكلمات والزخرفة تحدى الناس جمال السفاح الذي اتهم الشهداء بالخيانة، واعلنوا انهم ضحوا في سبيل الامة العربية.‏ ‏
حتى الأمس القريب زار الناس تلك الاضرحة كفرض وطني. ثم اهملت فصارت عين مكتب دفن الموتى عليها! وقد رأينا يوم السادس من ايار الاشارات الى ذلك. فالقبر الذي يحضر للبيع تكسر شاهدته اي تخفى هويته ويصبح كمكان مجهول. ثم يرفس ويهدم ثم يباع بالثمن الذي يناسب موقعه في الصدر او الظهر.‏ ‏
في السادس من ايار عندما قصدت مجموعة من المثقفين والكتاب والصحفيين اضرحة تلك الطليعة من المفكرين والكتاب الوطنيين الشهداء، وجدت ان وافداً جديداً من آل العسلي دفن في ضريح شكري العسلي، الوطني الذي كشف في مجلس المبعوثين ان المستوطنات الصهيونية السرية ذات علم ونشيد وطوابع بريدية، ومؤسسات تعليمية ورياضية وانها دولة ضمن دولة. بدا كأن القبر ملك عام لعائلة وليس ضريح شهيد كبير من رجال النهضة. وتبينا ان شاهدة أم شهداء معركة جباتا الخشب من آل العسلي التي سجل عليها انها «ام الشهداء» قد كسرت اجزاء صغيرة! كان قبر رشدي الشمعة سليماً لان اسرته تراقبه وتتفقده لكن شاهدة قبر عبر الوهاب المليحي الانكليزي كسرت اجزاء صغيرة.
‏ ‏ بحثنا عن مكان لخطواتنا، وكنا حائرين بين المشي فوق القبور وبين اختراق الشوك. كيف اصبحت هذه المقبرة التاريخية كأحياء المخالفات، مسكينة عشوائية وسخة اختفت منها الممرات وطاشت فيها القبور وامتلأت بالشوك؟ صارت توجع قلب الزائر وتشعره بالخجل لانها كالمزبلة. لماذا؟ هل تغيرت علاقة الاحياء بالموتى مع ما تبدل من العلاقات فغابت الرحمة والانسانية وفقدنا الحاجة الى الجمال والنظافة؟ هل يتصل هذا بعلاقتنا بالتاريخ فلم نعد نقدر مالدينا من شواهده الثمينة؟ ام اصاب الموتى ما أصاب الامة العربية كلها من الهوان؟‏
تسجل المقابر احياناً في الدليل السياحي في العالم وتعد كأمكنة للنزهة. يقرأ الزائر فيها ذاكرة المدن والبلاد. تمتعه بخضرتها وبتنوع الكلمات المنقوشة على حجارتها وبالزهور والاشجار والسكينة وبتأمل علاقة الموت بالحياة. وقد كانت مقابرنا كالحدائق في الاعياد فيها ممرات واضحة وكنا نرى فيها شرائط ونباتات مدللة.‏ ‏
اقترحنا ذات يوم ان تسجل أسماء العلماء والمفكرين والشهداء على جدران المقابر فتنبه الى من فيها وتجعل الزائر يطلع حتى بجولة حول سورها على مافي بلاده من ذاكرة ويشعر بالصلة بين الاجيال. ويضبط ذلك لصوص القبور. لكن اين نحن من هذا!‏ ‏
ففي تلك الزيارة التحضيرية عشية السادس من ايار، عبرت ضريح مؤرخ دمشق الكبير، ابن عساكر، الذي قصه التنظيم من المقبرة ورماه خارجها ومهدت حوله ساحة لتكريمه. واية ساحة! ارض مقفرة مهملة عارية، لا شجر فيها ولاعناية بها قصدت ان أسأل رجلاً في الستين من العمر كان يعبر الطريق: لمن هذا الضريح؟ ردَّ: هذا ولي من الاولياء جعلنا الله منهم! نظرت الى الضريح فوجدته مدهوناً بلون اخضر! الذلك اصبح صاحبه ولياً؟ انتظرت شباباً متعلمين كانوا يعبرون الساحة وسألتهم السؤال نفسه. ردوا: لا نعرف لمن هو! كان اسم ابن عساكر مسجلاً على الضريح، لكنه بعيد عن الناس. ولا لوحة تعلن للمارين اسمه وتعرف به. مع ان اللوحات في شوارعنا تفسر لنا ما هو الجلاء، مثلاً! وتهب سطوراً لضحية مجهولة قتلت في القصف في المعضمية وتخلط الشهيد المقاوم بالضحية!‏ ‏
الا يشير هذا الجهل بابن عساكر مؤرخ دمشق الكبير، الى علاقتنا الخطرة بالتاريخ؟ كنت اظن ان الطالب يسمع بابن عساكر وبشهداء ايار في المدرسة، لكنه يتلقى ذلك كمعلومات مجردة. فلا يخطر لمدرسته ان ترافقه ليضع زهرة على قبر الظاهر بيبرس او ضريح نور الدين الشهيد في سوق الخياطين. لكن صرت اتوهم بعد تلك الزيارة، ان تلاميذنا لم يسمعوا حتى باسم ابن عساكر، او باسم نور الدين الشهيد!‏ ‏
ينبهنا هذا الى اسلوب التربية نفسه. فالتجريد يصور الوطن خريطة من ورق. فلا يعرف الطالب بأنهاره وبساتينه وأضرحته واحيائه ومخطط مدنه وعمارته وسبلانه. بل يلغي العلاقة بالحياة نفسها. بينما يعرف المقاولون تفاصيلها الدقيقة، ويسهل في غياب علاقة الناس بها هجومهم عليها وهدمها وبيعها. الا يفترض ذلك تغيير منهج التربية نفسه وعلاقته بالارض الوطنية؟‏ ‏
من المسؤول عن مقبرة الباب الصغير؟ مكتب دفن الموتى! الحقيقة اذن: انها ارض لبيع القبور وشرائها. وليست حرماً من التاريخ الذي يجب ان يحمى! ،ستكون قبور شهداء ايار من تلك الضحايا، وكم دمر قبلها وسيمحى بعدها!‏ ‏
ترى هل نستطيع ان ننقذ ذلك السجل التاريخي ونرتبه كمزار وحديقة ونضعه في حراسة مؤسسة تاريخية او مدنية؟ هل سترتب المقبرة وتنظف، وستعاقب المجموعة التي تسرق القبور وتتقاسم بيع الذاكرة، وتسجل قبور شهداء ايار؟!


 

عودة

 


 alchamaa.com © All Rights Reserved . 2002-2006