|
رجع الأدباء في سورية، في مرحلة ما بعد الحرب العالمية
الأولى إلى التراث لإثبات وجودهم وترسيخ كيانهم في وجه التيارات الثقافية
الوافدة.
وبرز في الساحة الأدبية أولئك الرواد الذين ساهموا عن طريق المجمع العلمي
العربي، ونشاط جمعية الرابطة الأدبية التي تألفت فيها لجنة للنقد الأدبي
بترسيخ اللغة العربية الفصحى وتعريب دواوين ومؤسسات الدولة، والبدء بإحياء
التراث العربي).
إلا أن القيام بهذه الأعمال حجّم فعاليتهم النقدية، وجعل حدودها مقصورة على
امتدادات النقد العربي القديم، فانصب جلّ اهتمامهم النقدي على الشعر دون
الأجناس الأدبية الأخرى، والسبب في ذلك هو سيادة الشعر في التراث العربي.
وهكذا فقد عدمنا- في فترة العشرينيات- وجود نقد مسرحي، على الرغم من وجود
المسرح وربما يكون السبب في ذلك نظرة أولئك السلفيين إلى المسرح خصوصاً ما
شاع عنه، بأنه فن غربي مستحدث، وأنه بدعة تنافي الدين والأخلاق والتقاليد.
- ومع بداية الثلاثينيات برز جيلٌ جديدٌ تتلمذ على يد الرواد الأوائل وتلقى
تعليماً عالياً منظماً، وتأثر بالثقافة الأجنبية ولاسيما الفرنسية، لكنه في
النهاية التقى الأدباء السلفيين لأنه حاول تجديد دماء الأدب العربي، دون أن
يملك الخلفية الفكرية والقواعد المنهجية).
لكن الذي يحمد لهؤلاء الأدباء أنهم نبّهوا على العلاقة القائمة بين الأدب
والمجتمع إضافة إلى تقرير الأجناس الأدبية الجديدة من قصة ورواية ومسرحية
عن طريق المقالات والمساجلات والحوارات التي نشرت في الصحف والمجلات.
في مجال نقد العروض، فإننا سنتمثل ذلك من خلال ما كتبه سامي الشمعة من
مقالات تصدّرت صفحات جريدة القبس الدمشقية.
و سامي الشمعة من الصحفيين الذين كان لهم باع، في التعريف بالمسرح وتسجيل
ما يعرض من أعمالٍ مسرحية في فترة ما بين الحربين، فقد كانت أعماله النقدية
مجموعة مقالات نشرت في صحف متفرقة تتحدث عن فن التمثيل وتقدم ما يعرض
لجمهور القراء معرّفاً بالمسرحية حيناً، وبالممثلين حيناً آخر، وداعياً
لحضور هذا العمل، فمن قبيل ذلك ما قدّمه سامي الشمعة للتعريف بمسرحية
"النسر الصغير" لمؤلفها أدمون روستان، وعرّبها الأستاذان عزيز عيد والسيد
قدري، وقام بدور البطولة فيها الممثلة فاطمة رشدي وعزيز عيد إذ يقول:وإننا
لنرجو أن يقبل الشباب على روايات فاطمة رشدي العظيمة وهي فرصة لا يجدر بهم
إضاعتها وهم يرون فيها أميرين من أمراء الفن)).
- لقد كانت مقالات سامي الشمعة بمنزلة الصدى لما يقدم على خشبات المسارح في
تلك الآونة، نذكر على سبيل المثال تعليقه على الروايات التالية: عنترة،
القبلة القاتلة، ملك الحديد، السلطان عبد الحميد، النسر الصغير، غادة
الكاميليا، بحد السيف، فرقة غبريل روبين والكسندر).
- أمّا النهج الذي اتبعه في كتاباته تلك، فقد كان يقوم بتلخيص موجز
للرواية، بعد أن يحدد نوعها، تاريخية، اجتماعية، عاطفية، ومن ثم يستعرض من
قام بالأدوار، فمن قبيل ذلك حديث الناقد عن رواية النسر الصغير) إذ يقول:
"النسر الصغير.. رواية تاريخية مؤثرة ألفها أدمون روستان ومثلتها سارة
برنار للمرة الأولى وهي من تعريب الأستاذين عزيز عيد والسيد قدري والرواية
تسير بهدوء واتقان عظيمين فتصور لك حياة النسر الصغير محاطاً بالجواسيس في
قصر شامبرون في النمسا، وكيف تنتهي حياة هذا المسكين بالموت وهو لما يبلغ
العشرين بعد جهود عظيمة وإقدام غريب للصعود إلى عرش فرسه..")).
- لقد اقترب الشمعة من النقد الفني، فهو يركز على الديكور، وبعض الهفوات
الفنية، ويهتمّ بالتمثيل ومدى إتقان الممثل لعمله، مبيناً آراءه في ذلك
كله.
فالتمثيل- عنده-درسٌ بليغ لابد من تشجيعه والسعي إلى نشره) وأهم شروطه
العلم والثقافة الواسعة، فقد رأى صعوبة في اجتياز المركز الثانوي إلى
المركز الأول، إذا لم يكن الممثل متعلماً واسع الثقافة، والموهبة التي
حباها الله للممثل لا تكفي لأن التمثيل- عند الشمعة- علم كباقي العلوم).
إلا أنه قصر هذه الصفة على المسرح الغربي، وهدفه أن يقدم تعريفاً بهذا
المسرح ولاسيما أنه خصّ المسرح الأوربي بمقالات متعددة من خلال تعريفه
بفرقة "غبرييل روبين والكسندر") وانطلق إلى تقديم آخر ما توصل إليه المسرح
الغربي.
فقد رأى أن فن الدراما والتراجيديا والكوميديا قد لحقه التطور فسار من طور
إلى طور وأصبح اليوم كما صرّح "بول غرالدي" لمحرر جريدة "فراي بريسي"
الألمانية أقرب شيء إلى المذهبين "الطبيعي" و"الحقيقي".. بعد أن كان قبل
القرن التاسع عشر بعيداً جد البعد عن ذين المذهبين").
ويؤكد "الشمعة" أن هذا النوع من المسرح سيحياً زمناً طويلاً نقلاً عن ج
ركسل لأن الجمهور قد تجاوب مع هذا النوع ويقصد بذلك الكوميديا إذ إنها
انتشرت في أوربا لأنها تلائم رغبة الجمهور، وميله إلى الهزل النفسي).
- ومما يلاحظ أن الناقد قد أدرك العلاقة القائمة بين الجمهور والمسرح،
فالمسرح الطبيعي في أوروبا سيعمر طويلاً لأنه جاء ملائماً لذوق الجمهور،
ولاقت الكوميديا إقبالاً لأن الجمهور ملّ الحزن والألم).
- وهو في ذلك كله ينظر نظرة تقديس وإعجاب إلى المسرح الغربي، بل إنه يصرّح
بأن المسرح العربي المصري) لن يرقى إلى مستوى المسرح الأوربي لسببين اثنين:
آ- صعوبة تمثل الشخصيات الطبيعية.
ب- المرور بمراحل التطور الطبيعي ذلك أن فن التمثيل فن مستحدث في الشرق،
ولم يمر بمراحله الطبيعية، كما هو حال المسرح الغربي، فلابد لكل فن من أن
يسير درجة درجة
وبسبب تأثر الشمعة. بالثقافة الغربية، وخصوصاً الفرنسية التي شاعت في ذلك
العصر، وانبهاره بالمسرح الفرنسي، فقد أعلن أنه من العسير الإتقان والروعة
بالتأليف المسرحي، دون أن يتدرب الكاتب على الترجمة كما حصل في أوربا،
ويحصل في مصر إذ بدأ الكتّاب بالترجمة والاقتباس إلا أن هذه المرحلة هي
مرحلة أولى ليقوم بعدها الكاتب بالتأليف، وقد أدرك الناقد أهمية التأليف
لأنه يترك أثراً في نفوس النظارة، وينطلق من الواقع فيعبر عن عادات الجمهور
ويرتبط بشيء من تاريخهم).
النقد الفني عند سامي الشمعة
ويقصد بالنقد الفني هنا، كل ما قدمه سامي الشمعة من
انتقادات وملاحظات تخص تجهيزات المسرح من أثاث وضوء، أو ما يخص الممثلين من
حركات وأصوات وانفعالات..
- لكن لابد أن نشير إلى أن الشمعة في نقده الفني كان كلاسيكياً "تقليدياً"
إلى حدٍ ما، ففي حديثه عن الديكور المسرحي لا يرى أهمية في أن تؤدي تجهيزات
المسرح الدور المطلوب في كونها وسيلة لتحقيق هدف ما، بل إن مقياس الكمال-
عنده- في التجهيزات الفخمة والأثاث الملكي الارستقراطي فمن قبيل ذلك حديث
الناقد عن الديكور في رواية "النسر الصغير" إذ يقول: يدهشنا جداً أن نرى أن
هذا الاستعداد العظيم في مسرح فاطمة رشدي فقد بلغت زينة رواية النسر
الصغير) لا حد الإتقان فقط بل حد الكمال، فقد كنا ننتقل من بهو إلى بهو، في
قصر شامبرون، فنرى كل شيء ملكياً إلا المقاعد) وكل شيء يفتن الناظر وينقله
إلى عالم العظمة والجلال)).
- ونظرة الناقد الارستقراطية هذه تنسحب على تحديد نوع الرواية أيضاً عندما
يقول:فالرواية فنية وتاريخية جداً، ولا تمثل إلا للطبقة الراقية، وهذا أكبر
دليل على ثقة فاطمة رشدي، من رقي محيطنا)) وكأن الناقد يؤمن بطبقية المسرح،
فهناك مسرح للخاصة وهناك مسرح للعامة.
- والناقد في حديثه عن التقنيات المسرحية يتعرض إلى بعض الهفوات الفنية فمن
قبيل ذلك حديثه عن التجهيزات الفنية في رواية "ملك الحديد" لمؤلفها جورج
أوهينه وقد عرّبها الممثل "فتوح نشاطي"، إذ يقول فيما يخص الإنارة فإن
سوزان قد فتحت النافذة في الفصل الرابع، ودخل النور بعد دقيقتين تقريباً مع
أن سرعة النور كما هو معلوم، أسرع مما يتصور الإنسان)).
- أمّا اهتمام الناقد بالممثل، ورصد حركاته وانفعالاته فقد بدا واضحاً،
فمقياس نجاح الممثل- عند الشمعة- هو مدى تقمص الممثل للشخصية التي يمثلها
ففي حديثه عن مسرحية عنترة) التي ألفها حبيب جاماتي يقول:انتظرنا.. وأخيراً
قدر لنا أن رأينا من قالوا: أين أنت أيها الأستاذ وأين تمثيلك؟ وها هو قد
ظهر عليهم بالأمس فكان عنتراً) في دوره عنتراً) في هيئته عنتراً) في
حركاته)). فإعجاب الناقد بشخصية "أبيض" الذي قام بدور عنترة، نبع من قدرته
على تمثل شخصية عنترة، وجه عبوس عند الشدة، باسم عند القبلة، حزين عند
النكبة، حركات "عنترية" ولهجة" فروسية" تلك هي التي شاهدناها بالأمس على
المسرح، وفي شخصية الأستاذ أبيض.. وشخصية عنترة..)).
يضاف إلى ذلك، أن براعة الممثل- عند الشمعة- تتجلى في قدرته على تغيّر
الأدوار، فلا يطبع الممثل بطابع واحد في كل الأدوار المسرحية، فلم لا ينتقل
من الجد إلى الهزل- على حد تعبيره- ففي حديثه عن مسرحية القبلة القاتلة)
التي عرّبها فتوح نشاطي يقول وقد قام الأستاذ يوسف وهبي بك بدور الطبيب "مونروا"
فكان هادئاً ساكناً رزيناً، بعد أن كان في سابق رواياته ثائراً صاخباً
حقوداً وإن هكذا ليكفي أن يريك براعة الممثل في تنويع حركاته ومواقفه وعدم
سيره على وتيرةٍ واحدة لا ينتقل إلى سواها)).
- وقضية حفظ الأدوار وإتقانها أخذت حيزاً واسعاً في مقالاته فقد ركز على
ضرورة حفظ الدور المسرحي واستيعابه من قبل الممثل وإلا آل الأمر إلى
السقوط).
- وللحركات أهمية كبرى في التمثيل، بل يعدها الشمعة أصعب ما فيه ولابد
للممثل أن يكون طبيعياً في كل حركة من حركاته، ويبدو أن الناقد قد تأثر
بآراء الممثلة "سارة برنار" في التمثيل والمسرح الطبيعي، واستند إلى
أقوالها).
- وما دام الناقد قد تأثر بالمسرح الكلاسيكي فطبيعي أن يؤكد ضرورة وجود
الجدار الرابع الذي يفصل بين الجمهور والمسرح. أو أن إعجابه بالفن المسرحي
الفرنسي هو الذي جعله يؤكد هذه الحقيقة، ذلك أنه رأى فرقة "غبرييل روبين
والكسندر" لا علاقة لها بالجمهور فهو يقول: فقد شاهدنا رواية "الماريونيت"
وكان التمثيل طبيعياً إلى درجة أستطيع أن أصفها لك بكلمة صغيرة، فأنت إذا
نظرت من ثقب الباب إلى حجرة فيها أشخاص يتحدثون ويتحركون دون أن يروك، تنظر
إليهم تكون كمن شاهد رواية "الماريونيت" و"البراز" و"الهرب" التي مثلتها
فرقة الكسندر فإن ممثلي هذه الفرقة يمثلون دون أن يهتموا أقل اهتمام
بالجمهور وهكذا يجب أن يكون التمثيل)).
فالناقد في هذا كله يتحدث عن المحاسن التي تتصف بها الرواية المعروضة، أمّا
المساوىء فلا ذكر لها في الرواية المستحسنة، فعنده إما أن تكون الرواية
ناجحة، ونجاحها ينسحب على كل شيء فيها، وإما أن تكون هابطة، وهذا ينسحب على
كل شيء فيها أيضاً. ومقياس استحسان الرواية أو استهجانها هو الذوق
والانطباع العام، وهذا هو التيار السائد في النقد في تلك الفترة.
ويبدو ذلك واضحاً في تقييمه لكل الروايات التي قدمها وتناولها بالنقد فهو
ينقل الانطباع الذي تركته الرواية في نفس الجمهور، ففي حديثه عن رواية
"النسر الصغير" يقول: من لم يرّ فاطمة رشدي بالأمس، فقد أضاع فرصة يأسف
عليها.. فهي قد قامت بدور النسر الصغير) فأجادت في دورها إجادة أطلقت
الألسنة بالإعجاب والعيون بالعبرات.. والحقيقة فإن كل من شهد رواية أمس
فُتن بهذا الإبداع ودهش بذلك التفنن))، فإذا قلنا إنّ الناقد يبدو بين
سطوره أنه يدعو لحضور هذه الرواية فإنّه في تقييمه لرواية أخرى يقول:
ونحن لا نستطيع مهما حاولنا وصف المواقف الطبيعية، وما تركته في نفوس
النظارة الذين كانوا بين ضحك وبكاء، ضحك لما يتخلل الرواية من مواقف هزلية
لباريه وبكاء لموقف الزوج الكسندر والزوجة روبين)).
- ولعل الشمعة وجد في الكوميديا تسلية وترويحاً عن النفس فهو يقول في حديثه
عن شخصيات مسرحية "القبلة القاتلة": أمّا مختار أفندي عثمان، فصدقني أني
أكتب اسمه الآن، ولا أملك نفسي من الضحك، والضحك كثيراً، لمجرد ذكر اسمه،
حركات مضحكة، نبرات مضحكة، وكل شيء مضحك في مختار عثمان حتى صخبه وثورته
وتوعده، فله عظيم تهانينا على هذا النجاح الكبير)).
- مما تقدم نلاحظ أن النقد في هذه الفترة اقتصر على رأي لمحمد كرد علي ونقد
صحفي مثله سامي الشمعة. ومن ذلك نرى أن سامي الشمعة بما قدمه من نقدِ فني
لم يكن غير تعريفٍ بالعمل المسرحي، موضوعاته، شخصياته، بهدف تقديمه إلى
القارىء ولم يبلغ في نقده ذلك العمق في الدراسة والتحليل، إضافة إلى أنه
ابتعد عن الموضوعية، فانحاز إلى المسرح الغربي، وأعجب به، وعذره في ذلك أن
كل ما عرض على المسارح آنذاك كان مترجماً أو معرباً باستثناء مسرحية
"عنترة" وهذا ما جعله تقليدياً في نقده، ولاسيما أنه نظر إلى المسرح الغربي
بأنه المثل الأعلى للمسرح.
- ومع ذلك فإن الشمعة التفت إلى بعض القضايا النقدية التي باتت القيمة
الإيجابية الكبرى في العمل المسرحي فيما بعد، وهي العلاقة بين المسرح
والجمهور وتأييده لتلك المسرحيات التي اتسمت بالواقعية الطبيعية في
موضوعها، والواقعية الطبيعية في تصرفات شخصياتها، ذلك أنها أقرب إلى نفس
الجمهور.
وإضافةً إلى التزامه بالنقد الفني، وبالمسرحية المجسدة أمام الجمهور
واهتمامه بالممثل وبقدرته على رفع مستوى العمل المسرحي، فان مقالاته اتسمت
بالإيجاز والوصف السريع، وغلبت عليها المبالغة، ولعل السبب في ذلك
انفعاليته والتزامه النقد الانطباعي.
المهم أن الشمعة قد غطى هذه المرحلة، ذلك أن صوت النقد المسرحي قد ضعف
وأصبح باهتاً أكثر مما كان. وقد كان لدخول الفن السينمائي الأثر الأكبر في
ذلك كله إذ أصبح الاهتمام موجهاً إلى هذا الفن الجديد، وبات شغل الصحافة
الشاغل. وما زال استخدام مصطلح الرواية قائماً مكان مصطلح المسرحية، في
النقد والفن المسرحي.
|